ويحزنني أنِّي أعيش وشخصه * مغيب ومن تحت التّراب ترايبه
وكيف يُعزّى فاقد شطر نفسه * وجانبه حيٌّ وقد مات جانبه
ولم يبق لي ركن أعيش بظلِّه * وغالبني في الأمر ما لا أغالبه
تمزِّقنا أيدي الزّمان وجدّنا * رسول الّذي عمّ الأنام مواهبه
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 435
حدّثني مَن شهد وقعة الطّفّ : أنّ فرس الحسين ، أوصله اللَّه إلى غاية بركاته ومنتهى رضوانه وسعاداته ، جعل يصهل صهيلًا عالياً ويمشي عند القتلى واحداً بعد واحد حتّى وقف على البدن المبارك للحسين عليه آلاف آلاف التّحيّة والثّناء ويقبِّله ، فلمّا نظر إليه عمر بن سعد ، قال لأصحابه : خذوه وأتوني به ، فلمّا علم طلبهم جعل يلطمهم برجله ويكدم بفمه حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً ، وطرح فرساناً عن ظهر خيولهم ، فصاح عمر وقال : ويلكم تباعدوا عنه ، ثمّ جعل يقبِّل البدن المبارك المكرّم ويمرِّغ ناصيته بالدّم المطهّر المعطّر ويصهل صهيلًا عالياً وتوجّه إلى الخيمة ، وقالت أمّ كلثوم : يا سكينة ! إنِّي سمعت صهيل فرس أبيك ، أظنّ قد أتانا بالماء فأخرجي إليه . فخرجت سكينة فرأته خالياً من راكبه ، فهتكت خمارها وصاحت : وا قتيلاه ! وا محمّداه ! وا عليّاه ! وا أبتاه ! وا حسيناه ! وا فاطماه ! وا حمزتاه ! وا جعفراه ! وا عقيلاه ! وا عبّاساه ! وتنشد وتقول :
مات الإمام ومات الجود والكرم * واغبرّت الأرض والآفاق والحرم
وأغلق اللَّه أبواب السّماء فلم * ترقى لنا دعوة تجلّى بها الغمم
يا عمّتاه انظري هذا الجواد أتى * يخبرك أنّ ابن خير الخلق مخترم
غاب الحسين فوا لهفي لمصرعه * فصار يعلو ضياء الأمّة الظّلم
يا موت هل من فديّ يا موت هل عوض * اللَّه ربِّي من الكفّار ينتقم
يا أمّة السّوء لا سقياً لربعكموا * يا أمّة أعجبت من فعلها الأمم
فسمعت زينب شعر سكينة ( رضي اللَّه عنها ) ، وقالت : وا أخاه ! وا حسيناه ! وا غريباه ! نفسي لك الفداء ، وروحي لك الوقا ، وبكت وتقول :