قال الرّاوي : فقال له المغيرة : يا زياد ! اذكر اللَّه تعالى واذكر موقف يوم القيامة ، فإنّ اللَّه تعالى وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي ، إلّاأن تتجاوز إلى ما لم تر ممّا رأيت ، فلا يحمّلنك سوء منظر رايته على أن تتجاوز إلى ما لم تر ، فوَاللَّه لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أن « 1 » يسلك ذكري فيها ، قال : فدمعت عينا زياد واحمرّ وجهه وقال :
يا أمير المؤمنين ! أما إنّ أحقّ ما حقّ القوم فليس عندي ، ولكن رأيت مجلساً وسمعت نفساً حثيثاً وانتهازاً ورأيته مستبطنها ، فقال عمر رضي الله عنه : رأيته يدخل كالميل في المكحلة ؟
فقال : لا ، وقيل : قال زياد : رأيته رافعاً رجليها فرأيت خصييه تتردّد إلى بين فخذيها ورأيت حفزاً شديداً وسمعت نفساً عالياً « 2 » ، فقال عمر رضي الله عنه : رأيتَ يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ فقال : لا ، فقال عمر رضي الله عنه : اللَّه أكبر ، قم إليهم فاضربهم ، فقام إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين ، وأعجبه قول زياد ، ودرأ الحدّ عن المغيرة .
فقال أبو بكرة بعد أن ضرب : أشهد أنّ المغيرة فعل كذا وكذا ، فهمّ عمر رضي الله عنه أن يضربه حدّاً ثانياً ، فقال له عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : إن ضربته فارجم صاحبك ، فتركه .
واستتاب عمر أبا بكرة ، فقال : إنّما تستتيبني لتقبل شهادتي ، فقال : أجل ، فقال : لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدّنيا . فلمّا ضربوا الحدّ قال المغيرة : اللَّه أكبر ، الحمد للَّهالّذي أخزاكم ، فقال عمر رضي الله عنه : بل أخزى اللَّه مكاناً رأوك فيه .
وذكر عمر بن شبّة في كتاب « أخبار البصرة » أنّ أبا بكرة لمّا جلد ، أمرت أمّه بشاة فذبحت وجعلت جلدها على ظهره ، فكان يقال ما ذاك إلّامن ضرب شديد . وحكى عبدالرّحمان بن أبي بكرة : أنّ أباه حلف لا يكلِّم زياداً ما عاش ، فلمّا مات أبو بكرة كان قد أوصى أن لا يصلِّي عليه زياد وأن يصلِّي عليه أبو برزة الأسلميّ ، وكان النّبيّ ( ص ) آخى بينهما ، وبلغ ذلك زياداً فخرج إلى الكوفة . وحفظ المغيرة بن شعبة ذلك لزياد وشكره .
هامش
( 1 ) - س ق ع والمختار : أين ؛ ر : أن سلك .
( 2 ) - زاد في المختار هنا قولًا سيجيء من بعد ، على طريقته في جمع الأشباه في موضع واحد .