المعركة ، فرأين الجثث الطّاهرات منبوذات بالعراء تسفي عليها ريح الصّبا ، فتعجّبن من ذلك ، ورجعن إلى حيّهنّ وقلن لرجالهنّ ما شاهدنه ، وقلن لهم : إن فاتكم النّصر عن ابن بنت نبيّكم ، فقوموا واغسلوا بعض الدّرن عنكم وواروا جثّته الشّريفة .
قالوا : نفعل ، فأتوا إلى المعركة وأرادوا أن يواروا جثّة الحسين عليه السّلام أوّلا ، ثمّ الباقين فجعلوا ينظرون إلى المعركة ولم يعرفوا جثّته ، لأنّ الرّؤوس قد أبانوها عن الأجساد ، فبيناهم كذلك إذ أقبل فارس ، وقال لهم : ما بالكم ؟ قالوا : جئنا نواري الجثث الطّاهرة ، لكنّا لم نعرف العبد من السّيّد .
فلمّا سمع ذلك نزل عن جواده وجعل يتخطّى القتلى ، فوقع نظره على جسد الحسين عليه السّلام ، فاحتضنه وهو يبكي ويقول : يا أبتاه ! بقتلك قرّت عيون الشّامين ، وفرحت بنو أميّة ، فمشى قريبا من محلّ جثّته وأهال يسيرا من التّراب ، فبان قبر محفور ، فواراها في ذلك المرقد كما هو الآن .
وفي نفس المهموم عن رواية الشّيخ الطّوسيّ : أنّ بني أسد جاؤوا ببارية جديدة وفرشوا بها تحت الحسين عليه السّلام .
وفي الدّمعة السّاكبة ، وسمعناه يقول : طوبى لأرض تضمّنت جسدك الشّريف ، أمّا الدّنيا فبعدك مظلمة ، والآخرة فبنورك مشرقة ، أمّا الحزن فسرمد ، واللّيل فمسهّد ، حتّى يختار اللّه لي دارك الّتي أنت مقيم بها ، فعليك منّي السّلام يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته .
ثمّ شرح عليه اللّبن وأهال عليه التّراب ، ثمّ وضع كفّه على القبر وخطّه بأنامله وكتب :
هذا قبر حسين بن عليّ بن أبي طالب الّذي قتلوه عطشانا غريبا .
وعن الأسرار ودار السّلام عن الجزائريّ أنّه جعل يقول : هذا فلان وهذا فلان ، والأسديّون يوارونه ، حتّى مشى إلى جثّة العبّاس ، فدفنه هناك ، ثمّ عطف على جثث الأنصار وحفر لهم حفيرة واحدة وواراهم فيها ، إلّا حبيب بن مظاهر حيث أبى بعض بني عمّه ذلك ، ودفنه في ناحية عن الشّهداء .
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 521
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٥٢١