فتقرّب الرّجال ليعينوه على دفن تلك الجثّة الطّاهرة ، فإذا هو يقول لهم بخضوع وخشوع :
أنا أكفيكم أمره . فقالوا له : يا أخا العرب ، كيف تكفينا أمره ، وكلّنا قد اجتهدنا على تحريك عضو من أعضائه ، فلم نتمكّن . فبكى عليه السّلام وقال : إنّ معي من يعينني عليه .
ثمّ إنّه بسط كفّيه تحت ظهره الشّريف وقال : « بسم اللّه وباللّه وفي سبيل اللّه وعلى ملّة رسول اللّه ، هذا ما وعد اللّه ورسوله ، وصدق اللّه ورسوله ، ما شاء اللّه ، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم » - ثمّ أنزله وحده ولم يشرك معه أحدا .
ولمّا أقرّه في لحده ، وضع خدّه على نحره الشّريف ، وهو يبكي ويقول :
« طوبى لأرض تضمّنت جسدك الطّاهر ، أمّا الدّنيا فبعدك مظلمة ، وأمّا الآخرة فبنورك مشرقة ، أمّا الحزن فسرمد ، وأمّا اللّيل فمسهّد . حتّى يختار اللّه لأهل بيتك دارك الّتي أنت فيها مقيم ، وعليك منّي السّلام يا ابن رسول اللّه ، ورحمة اللّه وبركاته » .
ثمّ خطّ بأصبعه على الأرض : هذا قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب الّذي قتلوه عطشانا غريبا .
ثمّ التفت إلى بني أسد وقال : انظروا هل بقي أحد ؟
فقالوا : نعم يا أخا العرب ، بقي بطل مطروح حول المسنّاة - وحوله جثّتان - وكلّما حملنا منه جانبا سقط الآخر ، لكثرة ضرب السّيوف وطعن الرّماح ورشق السّهام .
فقال : امضوا بنا إليه . فمضينا إليه ، فلمّا رآه ، انكبّ عليه يقبّله ويقول : « على الدّنيا بعدك العفا - يا قمر بني هاشم - وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة اللّه وبركاته » .
ثمّ أمرهم أن يشقّوا له ضريحا ، فأنزله فيه وحده ، ولم يشرك معه أحدا ، وأشرج عليه اللّبن ، ثمّ أمرهم بدفن الجثّتين حوله ، ففعلوا .
ثمّ مضى الأعرابيّ إلى جواده ، فداروا حوله ، وسألوه عن نفسه وعن تلك الأجساد الزّواكيّ .
فقال لهم : أمّا ضريح الحسين عليه السّلام فقد علمتموه .
وأمّا الحفيرة الأولى ، ففيها أهل بيته والأقرب إليه منهم ولده عليّ الأكبر ، وأمّا الحفيرة
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 515
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٥١٥