فزعم بعضُ قريش أنّه قال : أنا أهدِر تلك الدِّماء ! أما واللَّه لا أرضى أن أقتُل بكلِّ رجل منهم عشرة . وأخذ الحُصين يكلِّمه سرّاً ، وهو يجهر جهراً ، وأخذ يقول : لا واللَّه لا أفعل . فقال له الحُصين بن نمير : قبّح اللَّهُ مَن يعدّك بعد هذه « 1 » داهياً « 2 » قطّ أو أريباً « 3 » ! قد كنتُ أظنّ أنّ لك رأياً . ألا أراني أكلِّمك سرّاً وتُكلِّمني جهراً ، وأدعوك إلى الخلافة ، وتعِدُني القتلَ والهَلَكة !
ثمّ قام فخرج ، وصاح في النّاس ، فأقبلَ فيهم نحوَ المدينة ، وندمَ ابن الزّبير على الّذي صنع ، فأرسلَ إليه : أمّا أن أسيرَ إلى الشّام فلستُ فاعلًا ، وأكره الخروج من مكّة ، ولكن بايعوا لي هنالك ، فإنِّي مؤمِّنكم وعادلٌ فيكم . فقال له الحُصين : أرأيتَ إن لم تقدم بنفسك ، ووجدتُ هنالك أناساً كثيراً من أهل هذا البيت يطلبونها يجيبهم النّاس ، فما أنا صانِع ! [ . . . ]
واجترأ أهل المدينة وأهل الحجاز على أهل الشّام ، فذلّوا حتّى كان لا ينفرد منهم رجل إلّاأخذَ بلجام دابّته ثمّ نُكِس عنها ، فكانوا يجتمعون في معسكرهم ، فلا يفترقون .
وقالت لهم بنو أميّة : لا تبرحوا حتّى تحملونا معكم إلى الشّام ، ففعلوا ، ومضى ذلك الجيش حتّى دخل الشّام ، وقد أوصى يزيد بن معاوية بالبيعة لابنه معاوية بن يزيد ، فلَم يلبث إلّا ثلاثة أشهر حتّى مات .
وقال عَوانة : استخلف يزيد بن معاوية ابنَه معاوية بن يزيد ، فلم يمكث إلّاأربعين يوماً حتّى مات .
وحدّثني عمر ، عن عليّ بن محمّد ، قال : لمّا استُخلفَ معاوية بن يزيدَ وجمع عُمّالَ أبيه ، وبويعَ له بدمشق ، هلكَ بها بعد أربعين يوماً من ولايته .
ويُكنّى أبا عبدالرّحمان ، وهو أبو ليلى ، وأمّه أمّ هاشم بنت أبي هاشم بن عُتبة بن
هامش
( 1 ) - ف : « بعدها »
( 2 ) - الدّاهي : العاقل
( 3 ) - [ في المطبوع : « أديباً » ]