وخرج من بعده [ أبو بكر بن الحسن عليه السّلام ] أخوه لامّه وأبيه القاسم - وهو غلام لم يبلغ الحلم - فلمّا نظر إليه الحسين عليه السّلام اعتنقه ، وبكى ، ثمّ أذن له ، فبرز كأنّ وجهه شقّة قمر ، وبيده السّيف ، وعليه قميص وأزار ، وفي رجليه نعلان ، فمشى يضرب بسيفه ، فانقطع شسع نعله اليسرى ، وأنف ابن النّبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه واله وسلم أن يحتفي في الميدان ، فوقف يشدّ شسع نعله ، وهو لا يزن الحرب إلّا بمثله غير مكترث بالجمع ، ولا مبال بالألوف .
وبينا هو على هذا إذ شدّ عليه عمرو بن سعد بن نفيل الأزديّ ، فقال له حميد بن مسلم : وما تريد من هذا الغلام ؟ يكفيك هؤلاء الّذين تراهم احتوشوه . فقال : واللّه لأشدّنّ عليه ، فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ، فوقع الغلام لوجهه ، فقال : يا عمّاه !
فأتاه الحسين كاللّيث الغضبان ، فضرب عمرا « 1 » بالسّيف ، فاتّقاه بالسّاعد ، فأطنّها من المرفق ، فصاح صيحة عظيمة سمعها العسكر ، فحملت خيل ابن سعد لتستنقذه ، فاستقبلته بصدرها ، ووطأته بحوافرها ، فمات .
وانجلت الغبرة وإذا الحسين قائم على رأس الغلام ، وهو يفحص برجليه ، والحسين يقول : « بعدا لقوم قتلوك خصمهم يوم القيامة جدّك » .
ثمّ قال : عزّ واللّه على عمّك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك ثمّ لا ينفعك ! صوت واللّه كثر واتره ، وقلّ ناصره .
ثمّ احتمله ، وكان صدره على صدر الحسين عليه السّلام ، ورجلاه يخطّان في الأرض ، فألقاه مع عليّ الأكبر وقتلى حوله من أهل بيته ، ورفع طرفه إلى السّماء وقال : اللّهمّ أحصهم عددا ، ولا تغادر منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا ، صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي ، لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا .
المقرّم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 330 - 331
قالوا : وما زال آل أبي طالب يتسابقون إلى القتال حتّى انتهت النّوبة إلى القاسم وديعة
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « عمروا » ] .