قال : فبايع النّاس في ذلك الوقت ليزيد بن معاوية ، وانصرفوا إلى منازلهم .
ابن أعثم ، الفتوح ، 4 / 230 - 232
ثمّ جلس معاوية في أصحابه وأذن للوفود ، فدخلوا عليه ، وقد تقدّم إلى أصحابه أن يقولوا في يزيد ، فكان أوّل من تكلّم الضّحّاك بن قيس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه لا بدّ للنّاس من وال بعدك ، والأنفس يغدى عليها ويراح . وإن اللّه قال :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ .
ولا ندري ما يختلف به العصران ، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن معدنه ، وقصد سيرته « 1 » ، من أفضلنا حلما ، وأحكمنا علما ، فولّه عهدك ، واجعله لنا علما بعدك . وإنّا قد بلونا الجماعة والألفة ، فوجدناه أحقن للدّماء ، وآمن للسّبل ، وخيرا في العاجلة والآجلة « 2 » .
ثمّ تكلّم عمرو بن سعيد ، فقال : أيّها النّاس ، إنّ يزيد أمل تأملونه ، وأجل تأمنونه « 3 » ؛ طويل الباع ، رحب الذّراع ؛ إذا صرتم إلى عدله وسّعكم ، وإن طلبتم رفده أغناكم ؛ جذع قارح ، سوبق فسبق ، وموجد فمجد ، وقورع فقرع ، خلف من أمير المؤمنين ولا خلف منه .
فقال : اجلس أبا أميّة ، فلقد أوسعت وأحسنت .
ثم قام يزيد بن المقفّع فقال : أمير المؤمنين هذا ، وأشار إلى معاوية ، فإن هلك فهذا ، وأشار إلى يزيد ، فمن أبى فهذا ، وأشار إلى سيفه ، فقال معاوية : اجلس ، فإنّك سيّد الخطباء .
ثمّ تكلّم الأحنف بن قيس ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم بيزيد في ليله ونهاره ، وسرّه وعلانيّته ، مدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه للّه رضا ولهذه الأمّة ، فلا تشاور النّاس فيه ، وإن كنت تعلم منه غير ذلك ، فلا تزوّده الدّنيا وأنت تذهب إلى الآخرة .
قال : فتفرّق النّاس ولم يذكروا إلّا كلام الأحنف .
قال : ثمّ بايع النّاس ليزيد بن معاوية ، فقال رجل ، وقد دعي إلى البيعة : اللّهمّ إنّي
هامش
( 1 ) - قصد سيرته ، أي استقامتها .
( 2 ) - في بعض الأصول : « والعاقبة » .
( 3 ) - يشير إلى ما ينتظر من طول مدّة ولايته ، فقد ولى حدثا .