ودين عليّ هو دين ابن عمّه صلى اللّه عليه وسلم ، الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرّحلتين : رحلة الشّتاء والصّيف « 1 » ، فوضعها اللّه عنكم بنا ، منّة عليكم . وقلت فيما قلت : لا تردّ هذه الأمّة في فتنة ، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها . وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد ، وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل ، فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله ، فأستغفر اللّه لديني ، وأسأله التّوفيق لما يحبّ ويرضى . وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك ، فكدني يا معاوية فيما بدا لك ، فلعمري لقديما يكاد الصّالحون ، وإنّي لأرجو أن لا تضرّ إلّا نفسك ، ولا تمحق إلّا عملك ، فكدني ما بدا لك ، واتّق اللّه يا معاوية ، واعلم أنّ للّه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها . واعلم أنّ اللّه ليس بناس لك قتلك بالظّنّة ، وأخذك بالتّهمة ، وإمارتك صبيّا يشرب الشّراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلّا وقد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرّعيّة ، والسّلام .
ابن قتيبة ، الإمامة والسّياسة ، 1 / 154 ، 155 - 157
وكتب معاوية إلى الحسين : أمّا بعد ، فقد أنهيت إليّ عنك أمور إن كانت حقّا ، فإنّي لم أكن أظنّها بك رغبة عنها ، وإن كانت باطلا ، فأنت أسعد النّاس بمجانبتها ، وبحظّ نفسك تبدأ ، وبعهد اللّه توفي ، فلا تحملني على قطيعتك والإساءة إليك ، فإنّي متى أنكرك تنكرني ومتى تكدني أكدك ، فاتّق اللّه يا حسين في شقّ عصا الأمّة ؛ وأن تردّهم في فتنة .
فكتب إليه الحسين كتابا غليظا يعدّد عليه فيه ما فعل في أمر زياد ، وفي قتل حجر ، ويقول له : إنّك فتنت بكيد الصّالحين مذ خلقت ؟ ! فكدني ما بدا لك .
وكان آخر الكتاب : والسّلام على من اتّبع الهدى .
فكان معاوية يشكو ما كتب به الحسين إليه إلى النّاس ، فقيل له : اكتب إليه كتابا تعيبه وأباه فيه . فقال : ما عسيت أن أقول في أبيه إلّا أن أكذب ، ومثلي لا يعيب أحدا
هامش
( 1 ) - يريد كان أكبر شرفك أن تتاجر كما كان يتاجر أبوك فتذهب في الشّتاء والصّيف إلى الشّام وإلى اليمن للتّجارة .