ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعماً لقريش فأصابت فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم ، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم - وكان حاجب أبرهة رجلًا من الأشعرين وكانت له بعبد المطلب معرفة - فاستأذن له على الملك ، وقال له : أيها الملك ! جاءك سيد قريش الذي يطعم أنسها في الحي ووحشها في الجبل ، فقال له : أئذن له - وكان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا - فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته ، وكره أن يجلسه معه على سريره ، فنزل من سريره ، فجلس على الأرض ، وأجلس عبد المطلب معه ، ثم قال : ما حاجتك ، قال : حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك ، فقال أبو يكسوم : والله لقد رأيتك فأعجبتني ، ثم تكلمت فزهدت فيك ، فقال : ولم أيها الملك ؟ ! . قال : لأني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس ، وشرفكم عليهم ، ودينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره وأصيبت لك مئتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلي في بيتكم ! فقال له عبد المطلب : أيها الملك ! أنا أكلمك في مالي ولهذا البيت رب هو يمنعه ، لست أنا منه في شيء ، فراع ذلك أبا يكسوم ، وأمر برد إبل عبد المطلب عليه ، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها ، كأنها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم ، فأحست نفوسهم بالعذاب ، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم ، وقام الأشعرون وخثعم فكسروا رماحهم وسيوفهم ، وبرئوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت ، فباتوا كذلك بأخبث ليلة ، ثم أدلجوا بسحر ، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة ، فوجهوه إلى مكة ، فربض ، فضربوه ، فتمرغ ، فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا ، ثم إنهم أقبلوا على الفيل ، فقالوا : لك الله أن لا نوجهك إلى مكة ، فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعاً ، فتوجه يهرول ، فعطفوه حين رأوه منطلقا ، حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض ، فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم ، فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة ، جعلت ترميم وكل طائر في منقاره حجر ، وفي رجليه حجران ، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى ، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه ، ولا عظم إلا أوهاه وثقبه ، وثاب أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة ، فجعل كلما قدم أرضاً انقطع له فيها إرب ، حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلا باده ، فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك ، ولم يصيب من الأشعريين وخثعم أحد ، وكان عبد المطلب يرتجز ويدعوا على الحبشة يقول « 1 » :
يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا * إنهم لم يقهروا قواكا
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 10 ص 292 .