تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
[ 6 ] يبدو أن الأرض التي انعكست عليها أقوال الناس وأفعالهم منذ أن عاشوا عليها تبدأ بإعادة تمثيلها لهم كما الشريط المصور الذي تنعكس عليه صور الحوادث ، ثم يعرض علينا لنراها من جديد ، ولذلك قال ربنا سبحانه : يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ إننا نعرف كيف تنعكس ذبذبات الصوت على الشريط الكاسيت ، ولكن لا نعرف كيف تنعكس أيضاً على ذرات التراب التي تحيط بنا ، ولعل الإنسان يتقدم علمياً حتى يبلغ هذا السر في يوم ما ، إنما علينا الآن أن نبقى حذرين من كل شيء محيط بنا ، فإنه يسجل أفعالنا التي تحفظ إلى يوم القيامة لنراها ، فأي يوم رهيب ذلك اليوم ، حيث يرى الإنسان ما عمله خلال حياته محضرا . إن الإنسان قد يرتكب جريمة أو يقترف إثماً ، فيلاحقه ضميره بالتأنيب ، فيحاول جهده تناسي الأمر حتى لا يصاب بوخز الضمير فيما بينه وبين نفسه ، فكيف إذا جِيء به على رؤوس الأشهاد ، وصورت له أفعاله ! أي خزي يلحق المجرمين في ذلك اليوم ، أم أيُ عار عظيم ؟ ! . قالوا : صدور الناس : نشورهم من قبورهم ، وحركتهم باتجاه محكمة الرب ، وقيل : أنه مستوحى من صدور الإبل من الماء ، أما الأشتات فإنه يعني متفرقين ، وأعظم ما يفرقهم الإيمان والكفر ، فمن آمن اتخذ سبيلا مختلفا عن الكفار ، كما قال ربنا سبحانه : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [ الروم : 14 ] ، والآية التالية تشهد بهذا المعنى . وقال بعضهم : بل معنى الأشتات : أنهم يصدرون من مقابرهم وهي مبثوثة في أنحاء مختلفة من الأرض ، كما أنهم مختلفون في المذاهب والنحل ، ويبعث كل أمة منهم بإمامهم . [ 7 ] وليست الأعمال الكبيرة وحدها التي تتجسد ذلك اليوم ، بل حتى أصغر ما يتصوره الإنسان من عمل ، من وسوسة الصدر ، حتى لمحة بصر ، ونصف كلمة ، ونفضة من حركة كلها مسجلة . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه قالوا : عن الذرة أنها النملة أو ما يلصق باليد من تراب إذا وضعها على الأرض ، فكل حبة ذرة ، أو ما يرى في شعاع إذا دخل من كوة صغيرة ، ونقل نص مأثور يقول : [ الذرة لا زنة لها ] « 1 » . واليوم حيث عرف البشر الذرة وعرف أنها أصغر مما كان يتصوره الأقدمون ، فأي حساب دقيق ينتظرنا يومئذ ، فما لنا نغفل عما يراد بنا . [ 8 ] وإذا كانت كل ذرة من خير تؤثر في مصيرنا ، فعلينا أن نزداد منها أنى استطعنا ، وإذا كانت كل ذرة من شر نحاسب عليها ، فعلينا أن نتحذر منها . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه ولذلك جاء في الحديث المأثور عن الرسول صلى الله عليه وآله : [ مَا مِنْ أَحَدٍ يَوْم القِيَامَةِ إِلا
هامش
( 1 ) القرطبي : ج 20 ص 150 .