تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
وفي حديث آخر : أنه ذُكر لرسول الله رجل من بني إسرائيل أنه حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر ، فعجب من ذلك رسول الله عجبا شديدا ، وتمنى أن يكون ذلك في أمته ، فقال : [ يَا رَبِ ! جَعَلْتَ أُمتِي أَقْصَر الناسِ أَعْمَاراً ، وَأَقلهَا أَعْمَالًا . فَأَعْطَاهُ الله لَيْلَة القَدرِ ، وَقَالَ : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الذي حَملَ الإسرائيلي السِلاح فِي سَبِيلِ الله لَكَ وَلأُمتِكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلى يَوْمِ القِيامَةِ فِي كُلِ رَمَضَان ] « 1 » . إنك قد تحيي ليلة القدر بالطاعة فيكتب الله اسمك في السعداء ، ويحرم جسدك على نار جهنم أبدا ، وذلك بما يوفقك له من إصلاح الذات إصلاحا شاملا ، من هنا جاء في الدعاء المأثور في ليالي شهر رمضان مجموعة من البصائر التي تتحول بتكرار تلاوتها إلى أهداف وتطلعات يسعى نحوها المؤمن بجد ومثابرة ، ويجتهد في طلبها من ربه : [ اللهُمَ أَعْطِنِي السِعَةَ فِي الرِزْقِ ، وَالأَمْنَ فِي الوَطَن ، وَقُرَةَ العَينِ فِي الأَهْلِ وَالمَالِ وَالوَلَدِ ، وَالمُقَام فِي نِعَمِكَ عِنْدِي وَالصِحَة فِي الجِسْم ، وَالقُوة فِي البَدَنِ ، وَالسلامَة فِي الدِينِ ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِكَ وَطَاعَة رَسُولِكَ مُحَمد صلى الله عليه وآله أَبَدَاً مَا اسْتَعْمَرْتَنِي ، وَاجْعَلْنِي مِنْ أَوْفَرِ عِبَادِكَ عِندكَ نَصِيباً فِي كُلِ خَيرٍ أَنْزَلْته وَتُنْزِله فِي شَهْرِ رَمَضَان فِي لَيْلَةِ القَدْر ] « 2 » وهكذا ينبغي أن يكون هدفك في ليلة القدر تحقيق تحول جذري في نفسك ، تحاسب نفسك بل تحاكمها أمام قاضي العقل ، وتسجل ثغراتها السابقة ، وانحرافاتها الراهنة ، وتعقد العزم على تجاوز كل ذلك بالندم من ارتكاب الأخطاء ، والعزم على تركها والالتجاء إلى الله ليغفر لك ما مضى ويوفقك فيما يأتي . وقد جاء في تأويل هذه الآية : أنها نزلت في دولة الرسول التي كانت خيرا من دول الظالمين من بني أمية ، حيث نقل الترمذي عن الحسن بن علي عليهما السلام : [ أَنَّ رَسُول الله صلى الله عليه وآله أُرِيَ بَنِي أُميَة عَلَى مَنْبَرهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ يَعْنِي نَهْراً فِي الجَنةِ ، وَنَزَلَتْ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( 1 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( 2 ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يَمْلكهَا بَعْدَك بَنُو أُمَية ] « 3 » وكانت حكومة بني أمية ألف شهر لا تزيد ولا تنقص . وهكذا فضيلة حكومة العدل وأثرها العظيم في مستقبل البشرية أكثر من ألف شهر من حكومة الجور . [ 4 ] لماذا أمست ليلة القدر خيرا من ألف شهر ؟ لأنها ملتقى أهل السماء بأهل الأرض ، حيث يجددون ذكرى الوحي ، ويستعرضون ما قدر الله للناس في كل أمر . تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والكلمة أصلها تتنزل ، وصيغتها مضارع تدل على الاستمرار ، فنستوحي منها : أن ليلة القدر لم
هامش
( 1 ) نور الثقلين : ج 5 ، ص 615 ، الدر المنثور : ج 6 ، ص 371 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 95 ، ص 91 ، من دعاء أبي حمزة الثمالي المأثور لأسحار شهر رمضان . ( 3 ) تفسير القرطبي : ج 20 ، ص 133 .
من هدى القرآن — صفحة 277 | السيد محمد تقي المدرسي