ليلة جليلة القدر ، قد أنزل الله فيها كتابا قديرا ، ولأن الذي يحييها يكون عند الله ذا قدر عظيم .
[ 2 ] من ذا الذي يستطيع أن يدرك أبعاد تلك الليلة التي باركها الله لخلقه بالوحي ، وجعلها زمانا لتقدير شؤون العالمين ، من ذا الذي يدرك عظمة الوحي ، وجلال الملائكة ، ومعاني السلام الإلهي . إنها ليست فوق الإدراك بصورة مطلقة ، ولكنها فوق استيعاب الإنسان لجميع أبعادها ، وعلى الإنسان ألا يتصور أنه قد بلغ علم ليلة القدر بمجرد معرفة بعض أبعادها ، بل يسعى ويسعى حتى يبلغ المزيد من معانيها ، وكلما تقدم في معرفتها كلما استطاع الحصول على مغانم أكبر منها وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ سبق القول من البعض : أن هذه الجملة وردت في القرآن لبيان أهمية الحقيقة التي تذكر بعدها . بينما تترك الحقيقة مجملة إذا ذكرت عبارة وما يدريك . . هكذا قالوا ، وأعتقد أن كلتا الجملتين تفيدان تعظيم الحقيقة التي تذكر بعدها .
[ 3 ] كيف نعرف أهمية الزمان ؟ أليس عندما يختصر المسافة بيننا وبين أهدافنا ، فإذا حصلت في يوم على مليون دينار ، وكنت تحصل عليه خلال عام أليس هذا اليوم خير لك من عام كامل ؟ كذلك ليلة القدر تهب للإنسان الذي يعرف قدرها ما يساوي عمرا مديدا : ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر ، وبتعبير أبلغ : ألف شهر : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أجل الواحد منا مسمى عند الله وقد يكون قصيرا ، قد لا يبلغ الواحد منا معشار أهدافه فيه ، فهل يمكن تحدي هذا الواقع ؟ بلى ، ولكن ليس بالصورة التي يتخيلها الكثير ، حيث يتمنون تطويل عمرهم ، وقليل هم الذين يحققون هذه الأمنية ، لأن عوامل الموت عديدة وأكثرها خارج عن إرادة الإنسان ، فما هو إذا السبيل إلى تمديد العمر ؟ . إنما يكون ذلك بتعميقه ، ومدى الانتفاع بكل لحظة لحظة منه ، تصور لو كنت تملك قطعة صغيرة من الأرض ، ولا تستطيع توسيعها فكيف تصنع ؟ إنك سوف تبني طوابق فيها بعضها تحت الأرض وبعضها يضرب في الفضاء وقد تناطح السحب ، كذلك عاش بعض الناس سنين معدودات في الأرض ولكنهم صنعوا عبرها ما يعادل قرونا متطاولة . لنرَ مثلا عمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله لا يتجاوز الثلاث والستين ، وأيام دعوته ثلاث وعشرون عاما منها ، ولكنها أبعد أثرا من عمر نوح المديد ، بل من سني الأنبياء جميعا وهكذا خص الله أمته بموهبة ليلة القدر ، التي جعلها خيرا من ألف شهر ، ليقدروا على تمديد أعمارهم في البعد الثالث ( أي بعد العمق ) . ولعل الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله يشير إلى ذلك ، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله [ أُري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمر مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر ، وجعلها خيرا من ألف شهر ] « 1 » .
هامش
( 1 ) القرطبي : ج 20 ص 133 ، الدر المنثور : ج 6 ص 371 .