تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
بينات من الآيات : [ 1 ] الكائنات والزمان والإنسان ثلاثة شهود عظام على مسؤولية البشر ، فأنى له الهروب ، وأنى له التبرير ! وأعظم الكائنات حسب علمنا السماوات بما فيها من وحدات من بناء عظيم يسميها القرآن البروج . وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ما هي البروج ؟ يبدو أنها طبقات السماء المتمثلة في مجاميع المجرات ، كل مجرة فيها أعداد هائلة من الشموس . قالوا : أصل معنى البروج الظهور ، ولأن البناء العالي ظاهر سمي القصر برجا ، كما سمي موقع الدفاع عن المدينة بالبرج . ولعل انتخاب هذه الكلمة هنا كان لأن في السماء حرسا اتخذوا مواقع لرصد حركات الإنس والجن والشياطين ، مما ينسجم مع السياق الذي يجري فيه الحديث عن جزاء الطغاة على جرائمهم بحق المؤمنين ، فإذا تحصن الطغاة ببروجهم الأرضية فإن للسماء بروجا لا يستطيعون مقاومة جنودها . وقال بعضهم : البروج هي منازل الشمس والقمر والكواكب وأفلاكها التي لا تستطيع أجرام السماء على عظمتها تجاوزها قيد أنملة ، مما يشهد على أنها كائنات مخلوقة مدبرة . [ 2 ] يوم القيامة رهيب ترتعد السماوات والجبال والبحار وسائر الكائنات خشية منه وإشفاقا ، وأعظم ما فيه مواجهة الإنسان لأفعاله ، بلا حجاب من تبرير ، ولا قوة ولا ناصر . . وهكذا يحلف السياق به على ما يجري الحديث عنه من مسؤولية الطغاة أمام ربهم عن جرائمهم بحق المؤمنين . وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ إنه يوم لا مناص منه ، لأنه وعد الله ، ووعد الله غير مكذوب ، وليس الإنسان وحده بل الكائنات جميعا موعودة بذلك اليوم ، فأي يوم عظيم ذلك اليوم ؟ . [ 3 ] ثم يقدم الإنسان للمحاكمة ، فقد حضر الشهود . كل مكان عاش فيه يشهد عليه ، وكل زمان مر به يشهد عليه ، وكل جارحة استخدمها تشهد عليه ، وكل إنسان عايشه يشهد عليه ، وفي طليعة الشهود الأنبياء والأوصياء والدعاة إلى الله ، يشهدون عليه أن قد بلَّغوه رسالات ربه فلم يقبلها . أي مسكين هذا الطاغية الذي تجتمع عليه الشهود من كل موقع وكل حدب ؟ ! ثم تراه في الدنيا غافلا لاهيا سادرا في جرائمه وكأنه لا حساب ولا عقاب . وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال بعضهم : الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة ، وروي ذلك عن الإمام علي عليه السلام ، وقال البعض : بل كل يوم يشهد على الإنسان بما يفعل ، وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله قوله : [ لَيْسَ مِنْ يَومٍ يَأْتِي عَلَى العَبْدِ إِلَّا يُنَادَى فِيْهِ : يَا بْنَ آدَمَ أَنَا خَلْقٌ جَدِيْدٌ ، وَأَنَا فِيْمَا تَعْمَلُ عَلَيْكَ شَهِيْدٌ ، فَاعْمَلْ فِيَّ خَيْراً أَشْهَدْ لَكَ بِهِ غَداً ، فَإِنِّي لَوْ قَدْ مَضَيْتُ لَمْ تَرَنِي أَبَداً ، وَيَقُولُ اللَّيْلُ مِثْلُ ذَلِكَ ] « 1 » . [ 4 ] أرأيت الذي خلق السماء ذات البروج فلم يدع فيها ثغرة ولا فطوراً ، وجعل للناس
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 284 .