كلا . . إنها لا تفيده هنالك في الآخرة شيئا « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ » وما دام جزاء الآخرة هو عمل الإنسان في الدنيا ذاته فلا معنى للعذر إذن ، وكيف يتخلص الإنسان مما هو جزء ذاته ؟ وفي الآية إيحاء بأن عدم استعداد الكفار للآخرة ولقاء الله نتيجة طبيعية لكفرهم بها .
[ 8 ] وينبغي أن تكون هذه التذكرة باعثا نحو المبادرة إلى التوبة في الدنيا قبل فوات الأوان ، توبة صادقة كأروع ما تكون التوبة ، فإن ذلك وحده الاعتذار الذي يقبله الله « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً » بالندم على ما فات ، والعزم على ترك الذنب ، وإصلاح آثاره السلبية نفسية واجتماعية واقتصادية و . . ، والاجتهاد في الصالحات ، هكذا سأل أحمد بن هلال الإمام الهادي عليه السلام
عَنِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ مَا هِيَ ؟ فَكَتَبَ عليه السلام : أَنْ يَكُونَ الْبَاطِنُ كَالظَّاهِرِ وأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ]
« 1 » ، وقال الإمام الصادق عليه السلام :
هُوَ صَوْمُ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ والخَمِيسِ والجُمُعَةِ ]
« 2 » ، لأن العمل الصالح جزء من التوبة ، وقال الإمام أبو الحسن عليه السلام :
يَتُوبُ الْعَبْدُ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لَا يَعُودُ فِيهِ ]
« 3 » ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله عن التوبة النصوح :
أَنْ يَتُوبَ التَائِبُ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ فِي ذَنْبٍ كَمَا لَا يَعُودَ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْع ]
« 4 » .
وهذه التوبة هي التي يقبلها الله فيعفو عن سيئات الإنسان بها ويدخله جنات النعيم يوم القيامة « عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ » حقًّا : إن التائب عن صدق يُرجى له أن تتحول ذنوبه من عقدة
سيئة تعيق مسيرته نحو التكامل إلى دافع قوي نحو الخير والفضيلة ، كما أن الله سبحانه يمحو من ديوانه السيئات فلا يطلع عليها أحدا حتى أقرب المقربين إليه ، قال معاوية بن وهب : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله عليه السلام يَقُولُ :
إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّهُ الله فَسَتَرَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا والْآخِرَةِ ،
فَقُلْتُ وكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ عليه السلام :
يُنْسِي مَلَكَيْهِ مَا كَتَبَا عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ ، ويُوحِي إِلَى جَوَارِحِهِ اكْتُمِي عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ ، ويُوحِي إِلَى بِقَاعِ الْأَرْضِ اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَيَلْقَى الله حِينَ يَلْقَاهُ ولَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ ]
« 5 » ، فلا يبقى سبب يدخل به النار ، وفوق هذا كله يدخله إلى رضوانه ونعيمه في الجنان « وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ » وتأكيد الله على الجنات يزرع في الإنسان المؤمن إرادة التحدي للشهوات ولزخارف الدنيا الزائلة حيث يتطلع إلى النعيم الأعظم كمًّا ونوعًا في الآخرة .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 76 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 78 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 432 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 62 .
( 5 ) الكافي : ج 2 ، ص 430 .