الآية تواجه الوسوسة الشيطانية التي تجعل البعض يزعم أن الرزق لا يتأتى إلا عبر الحرام ، لذلك يجد مثلا انفصاله عن دوائر الأنظمة ومؤسساتها أمرا لا يطاق ، في حين أنَّا لو توكلنا على الله فسوف نجده عند حسن ظننا به « وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ » أي الذي يكفيه ، ولا ينبغي للمؤمن أبدا أن يشك في قدرة الله على تحقيق ما يعد به ، مهما كانت الظروف صعبة ومعاكسة كما يبدو للإنسان فإن إرادته تعالى فوق كل شيء « إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ » . بلى ، نحن البشر تثنينا الأسباب ، وتحول بيننا وبين ما نريد العقبات والموانع ، لأن إرادتنا محدودة ، أما الله فإن إرادته مطلقة . ولكنه تعالى أبى أن يُجري الأمور إلا بحكمة وموازين « قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً » على الإطلاق ، فليس من شيء خارج على هذا القانون الإلهي العام ، وكما تحكم المقاييس الظاهرية ( الحجم والوزن والكثافة واللون والأجل ) وجود كل شيء ومن ذلك المشاكل فإن هناك سننا وقوانين معنوية تحكمه أيضا ، فلا يمكن للإنسان أن يجد رزقا حلالا من غير سعي مادي أو معنوي . ووعد الله برزق من يتقيه ويتوكل عليه أمر من أموره وهو لا ريب بالغه ، ولكنه جعل لذلك موازين وضوابط « قَدْراً » ينبغي للإنسان معرفتها وحل مشاكله من خلالها ، ويجب عليه السعي في الحياة لتحقيق أهدافه وتطلعاته ومقاصده انطلاقا من الإيمان بهذه الحقيقة في تدبير الله لشؤون خلقه . من هنا جاء في تفسير هذه الآية : أن الإمام الصادقعليه السلام سأل بعض أصحابه :
مَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ ؟ .
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ أَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ وتَرَكَ التِّجَارَةَ . فَقَالَ عليه السلام :
وَيْحَهُ أَمَا عَلِمَ أَنَّ تَارِكَ الطَّلَبِ لَا يُسْتَجَابُ لَهُ دَعْوَةٌ ، إِنَّ قَوْماً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله لَمَّا نَزَلَتْ
« وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ »
أَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ ، وقَالُوا : قَدْ كُفِينَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ صلى الله عليه وآله : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ ؟ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ الله تَكَفَّلَ الله عَزَّ وجَلَّ بِأَرْزَاقِنَا فَأَقْبَلْنَا عَلَى الْعِبَادَةِ ، فَقَالَ صلى الله عليه وآله : إِنَّهُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَجِبِ الله لَهُ . عَلَيْكُمْ بِالطَّلَبِ ] « 1 » .
[ 4 - 5 ] وكما تتجلى هذه الحقيقة في عالم التكوين الطبيعية ( الاقتصاد والفيزياء وما أشبه ) ، فإنها تطبع آثارها في عالم التشريع أيضا ، حيث فرض الله عدة معينة بوصفها حقًّا من حقوق المرأة وواجبًا من واجبات الرجل بعد الطلاق . وبالطبع إن هناك حكمة ليست للاعتداد ذاته وحسب ، بل لاختلاف العدة من امرأة إلى أخرى كذلك ، قد تتكشف للإنسان في مفردات العدة بالتفكير العميق . « وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ » في كونهن هل يئسن أم لا . هن في سن أمثالهن تحيض ، لذا تنشأ الريبة : « فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ » بناء على الأصل
هامش
( 1 ) الكافي : ج 5 ، ص 84 .