وإذا انقضت العدة هنالك لا يسمح له بأن يذرها كالمعلقة انتقاما كما يفعل أهل الجاهلية الذين لا يؤمنون بحد ولا قيمة في العلاقة الزوجية سوى الهوى والشهوة ، كلا . . إنه مخيَّر بين أمرين لا ثالث لهما ، فإما أن يرجع إلى العلاقة الطبيعية مع أهله والتي شعارها المعروف ( الحب والاحترام والعقلانية ) ، وأما الفراق والانفصال بالمعروف ( بعيدا عن التشفي والأذى وسوء الخلق ) . ويقدم القرآن خيار الرجوع ترجيحا له على الفراق لأن الله يريد خير الأسرة والمجتمع والحفاظ على كيانهما بالحفاظ على تماسكهما من خلال العلاقات الوطيدة التي منها العلاقات الزوجية « فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » . واستخدام القرآن تعبير « فَأَمْسِكُوهُنَّ » يؤكد على أن الطلاق في الإسلام قبل انتهاء العدة لا يعني إنهاء العلاقة الزوجية وطرد الزوجة من أسرتها ، إنما يبقى كل شيء على طبيعته ، فالزوج لا يزال زوجها والقائم عليها ( ممسك بها ) إلا أن يختار الفراق فهنالك تتغير الأمور ، فتطلق من زوجها بالمفهوم العرفي .
« وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ » على الطلاق إذا كان هو الخيار لا الرجعة ، لأنها لا تحتاج إلى شهود بل يكفي التصريح بإرادتها أو مقاربة الزوجة ، فقد جاء في كتاب الكافي قال الإمام أبو الحسن موسى الكاظم عليه السلام :
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِالطَّلَاقِ وأَكَّدَ فِيهِ بِشَاهِدَيْنِ ولَمْ يَرْضَ بِهِمَا إِلَّا عَدْلَيْنِ ]
« 1 » ، وأهمية الشهود في الطلاق لأمور ، منها وضع النقاط على الحروف في الإرث وفي حرية المرأة بعد فراق زوجها . فلولا الشهود لكانت المطلقة تدَّعي في الإرث ما ليس لها ، ولكان الرجل يمنع مطلقته من الزواج بادعاء أنها لا تزال في عصمته مثلا . ولكن الشهادة العظمى التي يجب على المؤمن اعتبارها وإقامتها هي الشهادة لله « وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ » ، ولا تقوم الشهادة لله إلا بشروطها التي تتوافر عند المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، لأن الله لا يحضر عند العيون والأسماع إنما يحضر عند القلوب المؤمنة به عز وجل . وكذلك الآخرة ليست شيئا محسوسا في الدنيا إنما يؤمن بها المؤمنون بالغيب « ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ » أي يؤمن بعلم الله بالحقائق كما تكون ، ويؤمن بالجزاء بعد البعث على كل خير وشر ، وشهادة الله لمن يؤمن بذلك أعظم واعظ له عن مخالفة أمره وحدوده علنا أو بما يسمى بالحيل الشرعية .
وقد أورد الدكتور بدران أبو العينين أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعتي الإسكندرية وبيروت العربية بحثا حول الشهادة على الطلاق ودورها في تقليل نسبة الطلاق ، هذا نصّه من كتابه : ( الفقه المقارن للأحوال الشخصية ) : ذهب أكثر الفقهاء على أنه لا يشترط الإشهاد على الطلاق ، بل استحبوه فقط استنادا إلى أنه لم يُؤْثر عن الرسول ولا صحابة رسول
هامش
( 1 ) الكافي : ج 4 ، ص 352 .