الشيء ، يقال : اشعب لي شعبة من المال أي أعطني قطعة من مال كذا ) ،
ويسمى الغصن من الشجرة شعبة ، ونفهم من ذلك أن الظل ينشعب إلى ثلاثة أقسام ، ولعل المكذب يلقى في كل شعبة ألوانا من العذاب تختلف عما في الشعبتين الأخريين شدة ونوعا . ويختلف ذلك الظل عن ظل الدنيا بصورة تامة ، فإننا نأوي إلى الظلال فيها طلبا للراحة ، وهربا من حر الشمس ولفحها ، أما الظل المقصود في الآية فإنه قطعة من عذاب جهنم « لا ظَلِيلٍ » معناه :
غير مانع من الأذى ولا يستر عنه . . فالظليل من الظُّلة وهي السترة ] « 1 »
، وسمي الظِّلال بذلك لأنه يحجب الشمس ويسترها ويمنع الحر . وليس الظلال المشار إليه في الآية يسبب الراحة لأهله « وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ » واللهب ما يعلو من ألسنة النار وحر لفحها ، وليس ذلك الظل يدفع عنهم حر لهب جهنم « إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ » قيل :
مثل القصور والجبال ]
« 2 » ، وفي حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله في شأن النار : قال :
تَرْمِي النَّار بِمِثْلِ الجِبَالِ شَرَرًا ]
« 3 » ، وقيل :
مثل أصول الأشجار المتشعبة الجذور ، قال ابن عباس : كجذور الشجرة ، وعن مجاهد قال : حزم الشجر ، وعن الضحاك قال : أصول الشجر العظام ]
« 4 » .
[ والعرب تشبه الإبل بالقصور ]
« 5 » ، والمهم أن التشبيه بالقصر كناية عن الضخامة والتشعب معا وهما مجتمعتين في مثل القصور . « كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ » وقد ذهب أغلب المفسرين إلى القول بأنها الجمال ، وقيل :
هي قطع النحاس وهو مروي عن الإمام عليعليه السلام ]
« 6 » ، والنحاس يسمى صُفْرًا عند العرب ، وبناء على هذا القول ينبغي حمل الجمالة على أنها جمع جمل وهو الحبل والسلك العظيم ، لقوله تعالى : « حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ » [ الأعراف : 40 ] .
وهذه الألوان من العذاب هي بعض ما يلقاه المكذبون من الويل في الآخرة ، والذي يشير إليه القرآن بتكرار الآية الكريمة : « وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ » ومن ويلاتهم يوم الفصل أنهم تُسلب حرياتهم التي طالما أساؤوا استخدامها وفهمها في الدنيا ، إلى حد لا يستطيعون النطق ، ولا يؤذن لهم من قبل الله عز وجل . ولعل ذلك جزاء إطلاقهم العنان لأنفسهم في الأهواء والشهوات ، وعدم التزامهم بحدود الله وشرائعه .
« هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ » وفي الأحاديث : أن أهل جهنم يُلجمون بِلُجُم من نار ، وتُحبس
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 230 .
( 2 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 7 ، ص 110 .
( 4 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 304 .
( 5 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 533 .
( 6 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 276 .