الإنسان فضل ربه عليه وإكرامه له بعد أن كان مهينا ، فإذا به وهو المخلوق الضعيف يكذب رب العزة جبار السماوات والأرض ! .
ثم إنه تعالى جعل ذلك الماء المهين في رحم الأم يحفظه وينشأ فيه ناميا صفة بعد صفة ومرحلة بعد الأخرى ، تحوطه وترعاه يد الغيب بما يعجز الإنسان نفسه عن إحصائه من السنن والقوانين المحكمة التي تثبته في الرحم ، وتمكنه من العيش والنمو فيه ، دون أن يكون للأبوين شأن في ذلك الحمل .
« فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ » في التبيان :
القرار : المكان الذي يمكن أن يطول مكث الشيء فيه ، ومنه قولهم : قر في المكان إذا ثبت على طول المكث فيه ]
« 1 » واستقر . وغض أكثر المفسرين الطرف عن المكين ، في حين ذكر أهل اللغة أنه : المتمكن ، والمكين ذو المكانة ، واستمكن استولى ، وتمكَّن من الشيء قدر عليه ] « 2 » ، وقال صاحب الميزان هذا النص :
والمكين : المتمكن ، وصفت به الرحم لتمكنها في حفظ النطفة من الضيعة والفساد ، أو لكون النطفة مستقرة متمكنة فيها ، والمعنى : ثم جعلنا الإنسان نطفة في مستقر متمكن وهي الرحم ]
« 3 » . وقوله تعالى : « فَجَعَلْنَاهُ » تأكيد على الفعل الإلهي في الأمر إذ هو بعيد عن كل فاعل ومريد سواه سبحانه ، وذلك ما يؤكده الإمام علي عليه السلام في واحدة من خطبه التي تطرَّق فيها إلى هذا الأمر ، قال :
أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ والْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ ومُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ . بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ووُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وأَجَلٍ مَقْسُومٍ ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لَا تُحِيرُ دُعَاءً ولَا تَسْمَعُ نِدَاءً ، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا ولَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا ، فَمَنْ هَدَاكَ لِاجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وإِرَادَتِكَ ؟ ! ]
« 4 » . والملاحظ استخدام الإمام في الأفعال صيغة البناء للمجهول ( بدئت ، وضعت ، أخرجت ) وكذلك هداك وعرفك ، والهدف هو التأكيد على الإرادة الإلهية في الخلق .
ثم إن خلقة الإنسان لا تتحرك في الفراغ ولا على أساس الصدفة ، إنما هي قائمة على الحكمة الدقيقة ، والتدبير الإلهي المتين ، حيث القوانين التي تُجلي إرادة الله وحكمته للمتدبر ، فالجنين لا ينمو ولا يمكث بلا قدر
ولا قانون في بطن أمه ، بل كما وصف الله تعالى : « إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ » وحيث يخرج يكون مُهَيَّأً لممارسة الحياة خارج الرحم ، وتكون أمه مستعدة نفسيًّا وبدنيًّا لاستقباله وهكذا عائلته . قال الزمخشري :
إلى مقدار معلوم ، قد علمه الله وحكم به وهو تسعة
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 228 .
( 2 ) المنجد : مادة مكن .
( 3 ) تفسير الميزان : ج 15 ، ص 20 .
( 4 ) نهج البلاغة : خطبة : 163 .