قصير بالقياس إلى معادلة الزمن الحقيقية عند الله ، بل هو قصير بالفعل ، والذي يدرس تاريخ الصراع بين الحق والباطل يصل إلى قناعة راسخة بهذه السنة الإلهية ، تقول عائشة :
لما نزلت
« وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا »
لم يكن إلا قليل حتى كانت وقعة بدر ]
« 1 » التي أذل الله فيها المشركين ، وقيل :
نزلت في المطعمين ببدر وهم عشرة ، وقيل : نزلت في صناديد قريش والمستهزئين ]
« 2 » ، وأضاف الزمخشري في الكشاف :
وكانوا أهل تنعم وترفه ]
« 3 » ، وما ذلك إلا شاهد ومصداق لسنة الله في الحياة التي تمتد إلى الوراء من أعماق التاريخ وإلى الأمام إلى المستقبل البعيد .
( 14 - 12 ) ويكشف لنا القرآن حجابا عن غيب ما أعد الله للمترفين المكذبين من عذاب أليم ومهين في الآخرة ، يوم ترجف الأرض والجبال . « إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيماً » قال أهل اللغة : أنكال ونكول :
القيد الشديد من أي شيء كان ، وحديدة اللجام ]
« 4 » ، وقيل وهو الأقرب :
الصنيع الفظيع من العذاب الذي يخشاه من يراه ويحذر منه ، وَنكَّلَ به صنع به صنيعا يُحذِّرُ غيره ، ويجعله عبرة له ]
« 5 » ولعل الكلمة تحمل في طياتها معنى الشدة والانتقام والإذلال ، والقيود والأغلال مظهر للتنكيل يرافقها عذاب الحريق بجهنم ، وما يلقاه الإنسان في الآخرة من أنواع العذاب ليست مفروضة عليه وآتية من خارج القوانين
والسنن الطبيعية ، بل هي من صنع يده ، قدَّمها لنفسه ، فالكذب الذي يمارسه في الدنيا يتحول إصرا ونارا عليه في الآخرة ، وهكذا الغيبة والسرقة ، والسباب ، وأكل أموال الناس بالباطل . . كلها تصير أنكالا وجحيما « وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً » أي الطعام الذي لا يتهنأ الآكلون بأكله ولا طعمه ولا رائحته ، بل يصعب عليهم مضغه وبلعه لما فيه من العذاب وأسباب الأذى . قال أكثر المفسرين :
إن به شوكا ، وقيل : لشدة خشونته ]
، وأَوَّله الزمخشري والرازي على أنه شجرة الزقوم ، وبهذا عبر صاحب الكشاف :
الذي لا يساغ يعني الضريع وشجر الزقوم ]
« 6 » . ومن أنواع العذاب المذكورة في الآيتين يتبين لنا أنها تأتي نقيضا لما هم فيه من النعمة والراحة في الدنيا جزاءً لتكذيبهم ، وعدم شكرهم ربهم عليها .
« يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ » أي :
تتحرك باضطراب شديد ، وترجف الجبال معها
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 279 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 481 .
( 3 ) الكشاف : ج 4 ، ص 640 .
( 4 ) المنجد : مادة نكل .
( 5 ) المنجد : مادة نكل .
( 6 ) الكشاف : ج 4 ، ص 640 .