الإيماء بالإصبع ، ورفع اليدين ، وتقليب الكف إلا مظاهر له ، فمثلها مثل الركوع والسجود والقنوت ، والأصل اللغوي للكلمة يهدينا إلى هذا المعنى ، قال شيخ الطائفة : فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله ، ومنه : مريم البتول وفاطمة البتول ، لانقطاع مريم إلى عبادة الله ، وانقطاع فاطمة عن القرين ( لولا علي ) . وقيل :
الانقطاع إلى الله تأميل الخير من جهته دون غيره ]
« 1 » ، وأضاف الفخر الرازي :
وقيل : صدقة بتلة منقطعة من مال صاحبها ، وقال الفَرَّاء : يقال للعابد إذا ترك كل شيء وأقبل على العبادة قد تبتل ، أي انقطع عن كل شيء إلى أمر الله وطاعته ]
« 2 » ، وفي الدر المنثور عن قتادة : « وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا » قال : أخلص له الدعوة والعبادة ، وعن مجاهد : أي أخلص المسالة والدعاء إخلاصا ] .
واختلف في « تَبْتِيلًا » لماذا جاءت بهذه الصيغة المصدرية ولم تكُ في هيئة مفعول المطلق المعهودة ( تبتلًا ) ، فذهب البعض إلى ما لا يليق بأدب الوحي وعظمته ، إذ قالوا :
لمراعاة الفواصل ]
« ثَقِيلًا ( 5 ) . . قِيلًا ( 6 ) . . طَوِيلًا ( 7 ) . . وَكِيلًا » .
ويبدو أن التبتل مصدر كلمة أخرى أشير إليها ، فكانت العبادة تحتمل معنيين :
الأول : الانقطاع الجدي ، وعبر عنه بكلمة « وَتَبَتَّلْ » .
الثاني : الانقطاع المرة بعد الأخرى ، وعبر عنه بالمصدر « تَبْتِيلًا » ، على أن الكلمة الأولى جاءت بصيغة التفعل ، والثانية بصيغة التفعيل . ويبدو أن الكلمة تفيد التأكيد على التبتل وأن يكون حقيقيا ، فليس كل مظهر تبتل يحسب تبتلا عند الله ، والتبتل على وزن التفعل الذي يعني المداومة والعود إليه حينا بعد حين ، وذلك أن
الإنسان عرضة للانحراف وللتأثر بالعوامل السلبية في كل لحظة . . إذن فهو بحاجة إلى مداواة هذه المعضلة بالإلحاح على الانقطاع إلى الله ، والتبتل إليه حينا بعد حين .
[ 9 ] ويتعمق ذكر الله والتبتل إليه في نفس الإنسان وفي جوارحه حينما يتأسسان على المعرفة به سبحانه ، وغاية معرفته توحيده والتوكل عليه ، وهذه هي الزاوية التي تنتظم من خلالها الآية التاسعة في سياق السورة حيث تعرفنا بربنا « رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ » قال صاحب المجمع :
أي رب العالم بما فيه لأنه بين المشرق والمغرب ، وقيل : رب مشرق الشمس ومغربها ]
« 3 » ، والإطلاق هو الأقرب بصرف المعنى للمشرق والمغرب وما بينهما ، فكل الكائنات بمفرداتها
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 164 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 178 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 480 .