أن مرتكب الذنوب والفواحش قد جعل نفسه وقودا للنار لحظة اقتحامها ، بالفعل . قال الزمخشري : القاسطون الكافرون الجائرون عن طريق الحق ، ونقل طريفة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه : أن الحجاج قال حين أراد قتله : ما تقول فيَّ ؟ قال : قاسط عادل ، فقال القوم : ما أحسن ما قال ! حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل ، فقال الحجاج : يا جهلة ! إنه سماني ظالما مشركا ، وتلا قوله تعالى : « وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ » وقوله تعالى : « ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ » [ الأنعام : 1 ] « 1 » .
وجرى جدل بين المفسرين في عذاب الجن ، فقد أجمعوا على إمكان تعذيب القاسطين من الإنس بجعلهم حطبا لجهنم ، ولكنهم اختلفوا في كيفية تعذب الجن بالنار وهم من جنسها ، فقال بعضهم كالفخر الرازي :
إنهم وإن خلقوا من النار لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية وصاروا لحما ودما هكذا ]
« 2 » ، ومن أطرف ما قرأته في هذا الشأن :
أن بهلول أتى إلى المسجد يوما وأحد الخطباء يقرر للناس علومه ، فقال في جملة كلامه : إن جعفر بن محمد ( يعني الإمام الصادق عليه السلام ) تكلم في مسائل ما يعجبني كلامه فيها :
الأولى
: يقول : إن الله سبحانه موجود ولكنه لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهل يكون موجود ولا يُرى ؟ ما هذا إلا تناقض ! .
الثانية
: إنه يقول : إن الشيطان يُعذَّب في النار مع أن الشيطان خُلِق من النار ، فكيف يعذب الشيء بما خلق منه ؟ ! .
الثالثة
: إنه يقول : إن أفعال العباد مستندة إليهم ، مع أن الآيات دالة على أنه تعالى فاعل كل شيء ! .
فلما سمعه البهلول أخذ مدرة وضرب بها رأسه وشجه ، وصار الدم يسيل على وجهه ولحيته ، فبادر إلى الخليفة يشكو من بهلولًا ، فلما أحضروا بهلولًا وسئل عن السبب قال للخليفة : إن هذا الرجل غَلَّط جعفر بن محمد عليهما السلام في ثلاث مسائل :
الأولى
: أنه يزعم أن الأفعال كلها لا فاعل لها إلا الله ، فهذه الشجة من الله تعالى وما تقصيري ؟ ! .
الثانية
: أنه يقول : كل شيء موجود لا بد أن يُرى ، فهذا الوجع في رأسه موجود مع أنه
هامش
( 1 ) الكشاف : ج 4 ، ص 628 .
( 2 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ، ص 160 .