توجهاتهم ونظراتهم إلى الحياة .
ولعل تأكيد القرآن على التشابه بين الخلقين ( الإنس والجن ) يأتي لبيان أنهم خلق من خلقه تعالى يتعرضون لما يتعرض له الناس ، وليسوا آلهة كما يزعم البعض فيعبدهم ويشرك بهم من دون الله . وما دام الجن صالحين ودون ذلك فإن الاتصال بهم قد يعود إلى الإنس بالخير لو كان طرفه الصالحين ، وقد يعود عليهم بالشر العظيم إذا كان طرفه الضالين الفاسدين منهم ، وهذا ما يجعل الاعتماد على قول الكهنة وأخبارهم محل إشكال وشك ، باعتبار مصادره تحتمل الصواب والخطأ والصدق والكذب .
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة :
على مذاهب مختلفة ، مسلم وكافر ، وصالح ودون الصالح ]
. وقال شيخ الطائفة :
والطرائق جمع طريقة ، وهي الجهة المستمرة مرتبة بعد مرتبة ، والمعنى : إنا كنا على طرائق متباينة ، كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض ]
« 1 » .
وخلاصة القول : أنهم مختلفون في مذاهبهم وتوجهاتهم ، وفي كل فرقة يختلف الأفراد عن بعضهم صلاحا وانحرافا .
وإلى جانب بيان القرآن تصور الجن عن علم الغيب ، مما ينفي المزاعم بأنهم آلهة أو أنصاف آلهة ، يبين ضعفهم وعجزهم باعتبارهم مخلوقين عن مقاومة إرادة الله ، بل عجزهم حتى عن الهرب من سلطانه وحكومته ، الأمر الذي يهدم ثقافة الشرك بهم من أساسها .
« وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ » بصورة مباشرة من خلال مواجهة إرادته ، أو بصورة غير مباشرة من خلال القفز على سننه أو خرقها ، ولو كانت هذه القدرة موجودة عند الجن لأظهرها شياطينهم ، ولخربوا كثيرا من قوانين الطبيعة ونظمها ، ولكنهم عاجزون عن ذلك . . مما يهدينا إلى أنهم
محكومون مثلنا بإرادة الله وسننه ، فخطأ إذن أن يعتمد بعض الإنس عليهم ويعوذ بهم زعما أنه يحتمي بهم عن مشيئة الله ، على أساس أنهم قوى قاهرة وضاغطة ! ، تعالى الله عما يصفون ، فإن وجودهم كسائر المخلوقين مرتكز في الضعف والعجز ، فهم لا يستطيعون أن يدفعوا عن أحد إرادة الله ، ولا يجدون أنفسهم سبيلا للهرب منه .
« وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً » ؛ لأن إرادته تعالى ليست محدودة بالأرض حتى يفلت من يطير إلى غيرها من إرادته ، ويعجزه سبحانه ، إنما هيمنته شاملة للوجود كله دون استثناء أو فرق بين كوكب وآخر ، ولا بقعة وبقعة أخرى . قال الزمخشري :
أي لن نعجزه كائنين في الأرض
هامش
( 1 ) التبيان : ج 10 ، ص 152 .