أنهم أنصاف آلهة نتيجة تقديس رجال الإنس لهم واستعاذتهم بهم . والكهنة والسحرة بدورهم كانوا يضللون من حولهم من الناس ، قال الإمام الباقر عليه السلام :
كَانَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ إِلَى الْكَاهِنِ الَّذِي يُوحِي إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ : قُلْ لِشَيْطَانِكَ فُلَانٍ قَدْ عَاذَ بِك ) « 1 »
. والعياذ الاعتصام وهو :
الامتناع بالشيء من لحاق الشر ) « 2 »
، وللاستعاذة هنا أحد معنيين :
الأول : أنهم كانوا يعتقدون بأن الجن قوى شر في الطبيعة ، وبالتالي يجب إرضاؤها للتخلص من شرها وأذاها .
الثاني : أنهم كانوا يعتمدون على الجن في مواجهة الأخطار والمشاكل ، أو في مقاومة القوى التي يخشونها ، ظنا منهم أنهم ينفعونهم أو يضرونهم . . فبدل أن يفكروا في حل مشاكلهم من خلال العقل والسعي تراهم يلجؤون للخرافة والأساطير ، وبدل أن يتقربوا إلى الله عز وجل بالطاعة تراهم يعوذون بالجن ، ظنا أنهم قادرون على صد غضب الله أو التأثير على أمره سبحانه وتعالى . وهكذا عوض أن يشحذوا إرادتهم ويُعْمِلوا فكرهم لمواجهة العدو عسكريًّا يتوسلون بهذه الثقافة الميتة والمضللة . . فلا يصلون إلا إلى الشر والرهق .
ومن وجوه التلاقي بين الإنس والجن - بالإضافة إلى التعاون على الباطل - تشابه وجوه الانحراف والضلال في الأفكار والثقافات ، ومن بين ذلك الكفر بالآخرة نتيجةً للثقافة القائمة على الظنون والتصورات ، لا على الوعي بالواقع والمنهجية العلمية المعتمدة على الدليل والحجة .
« وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً » ، في المجمع :
أن لن يبعث الله رسولا بعد موسى أو عيسى ) « 3 »
، وفي التفسير الكبير :
ويحتمل أن يكون المراد أنه لن يبعث أحدا للرسالة على ما هو مذهب البراهمة ) « 4 »
، ومع إمكانية صحة هذا الرأي إلا أن الأقرب بعث الناس للحساب والجزاء ، وهذا
هو جذر كل انحراف وفرار من إطار المسؤولية . والآية تنسف الاعتقاد الواهي بأن الجن آلهة خلقوا ذاتيًّا ولا يموتون ، كلا . . إنهم يموتون - كما يموت بنو آدم - ويبعثون كما يبعث البشر . بلى ، وبعضهم يشك في البعث مما يدعوه إلى الشرك والمزيد من الزيغ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 60 ، ص 98 .
( 2 ) التبيان : ج 10 ، ص 148 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 467 .
( 4 ) التفسير الكبير للرازي : ج 30 ص 157 .