هو كل زعامة سياسية أو اجتماعية أو علمية شطَّت بها الأفكار نحو الباطل ، وسعت في تضليل المجتمع كالحكام الطغاة وعلماء السوء . وما أكثر ما يقوله سفهاؤنا - نحن البشر - على رب العالمين ، من على منابرهم ، وفي وسائلهم التضليلية ، في كل زمان ومكان ! فما أحوجنا أن نكون كأولئك النفر من مؤمني الجن ؛ نستمع القرآن ، ونؤمن بما يهدي إليه من الرشد ، ونرفض الشرك بالله بجميع ألوانه وصوره ، وننتفض على سفهائنا تحت راية التوحيد وعلى هدى الوحي !
ونخلص هنا إلى الحقائق التالية :
الأولى : أن الجن ليسوا مجرد أرواح شريرة وحسب ، وإنما فيهم المؤمنون الصالحون ، وبهذا يعالج القرآن مزاعم البشر وتصوراتهم الخاطئة عن طبيعة عالم الجن بأنه شر محض .
الثانية : أن الهداية والرشد لا تتحقق لأحد بمجرد وجود الكتاب الهادي إلى الحق ، بل لا بد من التقاء بين العقل الباطن وبين رسالة الله ، وذلك بحاجة إلى المزيد من الإصغاء للآيات ، واستماعها ، والتدبر في معانيها .
الثالثة : أننا إذا فسرنا الشرك بالتشريع من دون الله فإن الآيات تدل على أن الجن كما الإنس يبتدعون لهم تشريعات غير هدى الله وآياته ، وأن القرآن جاء بديلا عن مناهجهم الضالة ، وعلاجا لكل انحراف في حياتهم . . فهو رسالة الله للعالمين إنسا وجِنًّا .
وإذا فسرناه بالخضوع لغير حاكمية الله ، فإن الآية الرابعة بالذات تدل على أن الجن - كما نحن - مبتلون بالحكام السفهاء والأنظمة الفاسدة ، وأن رسالة الله التي تهدف الهداية إلى الرشد وغايته التوحيد تهدف قبل كل شيء إلى تحرير المجتمعات إنسية وجنية من ربقة الطواغيت والحكومات الظالمة ( الحاكميات السفيهة ) .
الرابعة : أن أصل أكثر الأفكار الشركية - كما تقدم القول - وأصل قبول استعباد السلطات المنحرفة ، وأصل التمييز العنصري وغيره ، يعود إلى الزعم بولادة الله ، ومن ثم وجود شيء أو شخص أقرب من شيء أو شخص قربًا ذاتيًّا إلى الله عز وجل .
[ 5 ] ويوصل السياق كلام النفر عن طبيعتهم بما يكشف لنا واقع الجن « وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً » ولعل الظن هنا يعني العلم ، ولكن ليس العلم القائم على الحجة والبرهان ، وإنما هو العلم المتأسس على التصور المجرد . والآية تبين صفتين سلبيتين كانتا وراء تورطهم في الضلال :
الأولى : السذاجة المغرقة إلى حد الوثوق في الآخرين وتصديقهم فيما يقولون ، بحمل ما
من هدى القرآن — صفحة 283
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٣