لَوْ كَانَ فِي سَيْرِنَا الْغَدَاةَ عَصًا * أَمْسَتْ سَمَانَا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَه
لَكِنَّ رَيْبَ الزَّمَانِ ذُو غِيَرٍ * والْكَفُّ مِنِّي قَلِيلَةُ النَّفَقَه
قَالَ : فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ وبَكَى ، فَقَالَ عليه السلام لَهُ :
لَعَلَّكَ اسْتَقْلَلْتَ ،
قَالَ : لَا ، ولَكِنْ كَيْفَ يَأْكُلُ التُّرَابُ جُودَكَ ؟ ! ] « 1 » .
أما المحروم فإنه يفترق عن السائل في أمرين :
الأول : وجود الحاجة الماسة عنده وكونه مستحقا .
الثاني : حياؤه الذي يمنعه من السؤال . . هكذا جاء في تفسير الرازي والمجمع والتبيان والميزان والكشاف :
والمحروم الذي يتعفف عن السؤال فَيُحسب غنيًّا فيحرم ]
« 2 » ، وهذا يدل على أن المؤمنين ينفقون أموالهم على المحتاجين وهم يشعرون بأنهم هم أهل الحاجة إلى الإنفاق . . فلا ينتظرون السائل يسألهم ، بل يعطونه للسائلين ، ويبحثون بأنفسهم عن المحتاجين لينفقوا عليهم لوجه الله ، ولقد جاء في التاريخ « 3 » : أن الإمام زين العابدين عليه السلام استشهد وفي كتفه أثر الجراب الذي كان يمر به ليلا على بيوت الفقراء والمحتاجين وقد ملأه تمرا وخبزا . والظاهر من الروايات أن الإنفاق الذي تعنيه الآية ليس الواجب المفروض في الشريعة بقدر ما هو الإنفاق المندوب الذي يبادر إليه المصلون أنفسهم قربة لله تعالى ، قال الإمام الصادق عليه السلام :
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ فَرِيضَةً لَا يُحْمَدُونَ إِلَّا بِأَدَائِهَا
( أي أنه ليس فضلا يمدحون بأدائه )
وهِيَ الزَّكَاةُ بِهَا حَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وبِهَا سُمُّوا مُسْلِمِينَ ، ولَكِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ حُقُوقاً غَيْرَ الزَّكَاةِ فَقَالَ عَزَّ وجَلَّ :
« وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ »
فَالْحَقُّ الْمَعْلُومُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ وهُوَ شَيْءٌ يَفْرِضُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَالِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْرِضَهُ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وسَعَةِ مَالِهِ فَيُؤَدِّي الَّذِي فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ ، إِنْ شَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ وإِنْ شَاءَ فِي كُلِّ شَهْرٍ ]
« 4 » . وعنه قال عليه السلام :
هُوَ الرَّجُلُ يُؤْتِيهِ الله الثَّرْوَةَ مِنَ الْمَالِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ الْأَلْفَ والْأَلْفَيْنِ
والثَّلَاثَةَ الْآلَافِ والْأَقَلَّ والْأَكْثَرَ فَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ ويَحْمِلُ بِهِ الْكَلَّ عَنْ قَوْمِهِ ]
« 5 » ، وهذا المحمل هو الأقرب لأن الإنفاق المستحب أدل على رسوخ الإيمان من الواجب .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 44 ، ص 190 .
( 2 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 130 .
( 3 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ، ص 183 .
( 4 ) الكافي : ج 3 ، ص 498 ، تفسير العياشي : ج 2 ، ص 210 .
( 5 ) الكافي : ج 3 ، ص 499 .