أبدانهم من كل ناحية ، فأصل السلك من إدخال الشيء في الشيء ، كإدخال الإبرة في الخيط ، وكذلك ينظم فيه الخرز ونحوه ، ويقال :
دخل السلك العسكري أي انسلك في الجندية ]
« 1 » .
الثاني : أنه يُطوَّق بالسلسلة وتُلفُّ عليه فكأنه يسلك فيها ، قال الزمخشري في الكشاف :
أي تلوى عليه حتى تلتف عليه أثناؤها ]
« 2 » .
وقبل أن ننطلق مع الآيات في بيانها للذنوب الأساسية التي صارت بهم إلى ذلك العذاب المقيم نقف عند اللهجة القرآنية المتفردة بها هذه السورة ، أعني إضافة الهاء في الكلمات : ( كتابيه ، حسابيه ، ماليه ، سلطانيه ) وما هو وزنها من الناحية اللغوية ؟ .
لقد اختلف المفسرون والقراء أمام هذه الظاهرة القرآنية فقيل :
1 - إن الهاء للسكت والاستراحة ومن ثم يجب الوقف عندها بين الآيات لتصح القراءة ولتثبت الهاء ، ثم ترى البعض قد أوجب الوقف معتبرا الهاء جزءا من القرآن لا يجوز حذفه بالوصل عند القراءة ولا بغير ذلك .
2 - وقال البعض : إنها جعلت لنظم رؤوس الآي ، وذلك مما لا يليق نسبته لكلام الله عز وجل ، لأنه كما تؤكد الآية : ( 41 ) « وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ » ، لأن الشاعر يعتبر القافية أصلا فإذا عجز من نظمها تخبط في النحو والصرف والمعنى من أجل حفظها واحدة ! . وحاشا لله ؛ أنه تعالى لو أراد النظم أن تعجزه القوافي ، ثم من قال أن القرآن يلتزم بالقافية في سوره وآياته ؟ فهذا قوله تعالى : « لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ( 2 ) مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ( 3 ) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ( 4 ) فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا ( 5 ) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَرَاهُ قَرِيباً ( 7 ) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ( 9 ) وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً » [ المعارج : 2 - 10 ] .
3 - والذي يبدو لي أن الهاء ليست زائدة حتى تحذف بالوصل في القراءة ، وأنها لم توضع لنظم نهايات الآي ، وليست إضافتها خارجة عن لغة القرآن ( العربية ) التي أنزل بها ، كيف وهو ميزانها . ولقد
أخطأ أولئك الذين حاولوا تقييم كلام الله بشعر العرب وكلامهم . ويجب ألَّا يدعونا عجزنا عن إدراك بعض المعاني القرآنية إلى افتراضات بعيدة ، على أن للصيغة ( كتابيه ، حسابيه ) إيحاء نفسيًّا قد يبلغه الباحثون في يوم من الأيام . وما يهمني التأكيد عليه أننا لم نؤت من العلم إلا قليلا ، فالموقف السليم عند العجز عن فهم الآيات هو الاعتراف بالجهل والتواضع للحق لا الخوض فيما لا نعلم أو الطعن في كلام الله .
هامش
( 1 ) المنجد : مادة سلك .
( 2 ) الكشاف : ج 4 ، ص 605 .