( 28 - 30 ) وحيث إن القيامة - كما سبق وبينا - سميت بالحاقة لكونها تحق الحق ( تظهره وتغلِّبه ) فإن أصحاب الشمال الذين حجبهم ضلالهم عن معرفة الحقائق والتسليم لها في الدنيا تزيل حوادث الآخرة وأهوالها الغشاوة التي على قلوبهم فيرون الحق بكل وضوح وجلاء ، ويكتشفون أخطاءهم الفادحة التي طالما أصروا عليها وحسبوا أنهم يحسنون بها صنعا . وتبرز هنا المفارقة الرئيسية بين المؤمن الذي لا يفاجئه البعث والجزاء ، باعتباره كان حاضرا عند هذا الغيب وهو في الدنيا « إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ » [ الحاقة : 20 ] ، وبين الآخر الذي كذب بالآخرة ، ووجد نفسه أمام حقيقتها يومئذ فاكتشف أخطاءه في وقت لا تنفع المعرفة ولا ينجي الإيمان . ومن أفدح الأخطاء التي يقع فيها الإنسان ، وبالتالي يدخل بسببها أكثر الناس نار جهنم ، هو الاعتماد على المال ، والحال أنه لا ينفع أحدا في الآخرة ، لأن العمل الصالح وحده زاد النجاة والفلاح فيها . إن المال بذاته لا يغني ، وإنما ينفع إذا عُمِل به أعمال خير وصلاح بالإنفاق في سبيل الله . . ولم يفعل ذلك أصحاب الشمال لأنهم كفروا بالحساب والجزاء . والآية توجهنا إلى معنى لطيف للغنى فهو لا يتحقق بوجود المال وكثرته ، إنما بأدائه دوره ، وهدفه في الحياة ، فأصل الغنى من ارتفاع الحاجة ، ومع أن المال يقضي للمترفين والمخدوعين بعض الحاجات الظاهرية ، وتستطيل به أيديهم إلى كثير من بهارج الدنيا وزخارفها ، إلا أن ذلك لا يعد غنى إنما الغنى حقًّا يكون بانقضاء الحاجات الحقيقية للبشر ، وأهمها رضا الله والزحزحة عن النار التي لم يوظف أصحاب الشمال وبالذات المترفون منهم أموالهم من أجل قضائها .
« مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ » ولقد بينت أحاديث أئمة الهدى المعنى الأصيل للغنى ، قال الإمام علي عليه السلام :
الْغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى الله تَعَالَى ]
« 1 » ، وجاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام فشكا إليه الفقر ، فقال :
لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ وَمَا أَعْرِفُكَ فَقِيراً .
قَالَ : وَاللهِ يَا سَيِّدِي مَا اسْتَبَنْتَ ( ما عرفت ) ، وَذَكَرَ مِنَ الْفَقْرِ قِطْعَةً وَالصَّادِقُ عليه السلام يُكَذِّبُهُ ، إِلَى أَنْ قَالَ :
خَبِّرْنِي لَوْ أُعْطِيتَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَّا مِائَةَ دِينَارٍ كُنْتَ تَأْخُذُ ؟
قَالَ : لَا ، إِلَى أَنْ ذَكَرَ أُلُوفَ دَنَانِيرَ وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ، فَقَالَ لَهُ :
مَنْ مَعَهُ سِلْعَةٌ يُعْطَى هَذَا الْمَالَ لَا يَبِيعُهَا هُوَ فَقِيرٌ ؟ ! ]
« 2 » ، والعمل الصالح والولاية هما اللذان يبقيان مع الإنسان ويغنيانه يوم القيامة ، وليست الأموال التي تفنى أو يرتحل عنها خالي اليدين .
ويضيف القرآن على لسان من يؤتى كتابه بشماله قوله : « هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ » ولعل من أسباب تقديم الحديث عن المال على الحديث عن السلطان أن المال هو طريق الإنسان للسلطة والحكم والهيمنة في أغلب الأحيان . وفي معنى السلطان ذهب أكثر المفسرين القدماء والجدد إلى
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 69 ، ص 53 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 64 ، ص 147 .