« تَعْقِلُونَ » [ الأنبياء : 62 - 67 ] .
وفي هذه النهاية القوية يتضح لنا أنه تعالى في الآية ( 41 ) من سورة القلم إنما طالبهم بأن يأتوا بشركائهم استثارة لوجدانهم وعقولهم للتحقيق في زعم الشركاء ، باعتبار أن بطلانه لا يحتاج إلى أكثر من ذلك ، فهناك مزاعم كثيرة يسترسل معها الإنسان ويعتبرها مسلمات بل مقدسات ولكن بمجرد عرضها على عقله ووجدانه والتفكير فيها بجد يتبين له مدى سخفها ، وإنما كانت هذه المسلمات تستمد قوتها من التمنيات ومن الغفلة والجهل .
وإذا كان الإنسان قادرا على فضح باطل الشركاء بالوجدان والعقل في الدنيا فإن كذب كل مزاعمهم وظنونهم الباطلة يتبين بأجلى صورة في الآخرة « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ » وللكشف عن الساق تفاسير أهمها :
ألف : قيل إنه ساق العرش يكشف الله عنه يوم القيامة ، وقال الإمام الرضا عليه السلام :
حِجَابٌ مِنْ نُورٍ يُكْشَفُ فَيَقَعُ الْمُؤْمِنُونَ سُجَّدا ]
« 1 » .
باء : وأوغل البعض في الوهم إذ قالوا إنه ساق الله سبحانه عما يصفون ، ورووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال :
يَكْشِفُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَاقِهِ ]
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن منده عن ابن مسعود . . قال : عن ساقيه تبارك وتعالى . . وضعَّفه البيهقي « 2 » ، ويبدو أن ذلك من أفكار المجسمة التي تسربت إلى الثقافات الدينية لدى بعض المسلمين ، كما اختلطت مع الأفكار المسيحية من قبل . وقد رد الفخر الرازي ردًّا مفصلا على هذه الخرافة في التفسير الكبير « 3 » .
جيم : وقد يكون الكشف عن الساق كناية عن أنه يوم الجد والشدة ، وفي المجمع عن القتيبي : أصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه يشمر عن ساقه ، فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدة . . تقول العرب : قامت الحرب على ساق ، وكشفت عن ساق ، يريدون شدتها . . قال الشاعر « 4 » :
قد شمَّرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا
دال : ويمكن القول إنه كناية عن تجلي أصول الحقائق ، وإنما استخدم القرآن الكشف عن
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 4 ، ص 7 .
( 2 ) الدر المنثور : ج 6 ، ص 254 .
( 3 ) التفسير الكبير : ج 30 ، ص 614 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 428 .