ومنها : أن اعتداءهم ليس عرضا بل هو من طبيعتهم ومتجذر في نفوسهم التي جُبلت عليه ، فما هو إلا مظهر يعكس ما انطوت عليه أنفسهم من الإثم العريض .
ومنها : أنهم حين يعتدون يوغلون في الاعتداء بالمبالغة في آثامه .
وإنه لثابت علميًّا وعمليًّا أن المعتدي لا يعتدي في الواقع الخارجي ويتجاوز الحدود حتى يكون قد تجاوز الحدود في داخل نفسه ، وأسقط اعتبار الحق والآخرين قبل ذلك في نفسه وتفكيره . فلاعتداء هؤلاء فلسفة تتأسس عليها حياتهم حيث إنهم لا يعترفون بوجود حق يجب الالتزام به واحترامه ، ولا بوجود حدود وقوانين تفصل بين الناس .
4 - وكما تتداعى صفات الخير في الصالحين تتداعى صفات الشر في المفسدين ، فهم يبدؤون من الحلف ولكنهم لا ينتهون عند الاعتداء والإثم بل يتسافلون بعد ذلك إلى صفات سيئة أخرى .
« عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ » فما العتل ؟ وما الزنيم ؟ .
ألف : العُتُل ، قالوا : إنه شخص عظيم الجثة ، قبيح المنظر ، ناقص الخلقة . ولعل ما ذهب إليه المفسرون كان بسببين :
الأول : بالنظر إلى تأويل الآية في ( الوليد بن المغيرة ) واتخاذه مقياسا لصفاته المعنوية والمادية السيئة .
الثاني : استلهامهم هذا المعنى من الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله لما سئل عن العتل الزنيم :
هُوَ الشَّدِيْدُ الخُلُق ، الشَّحِيْحُ ، الأَكُولُ الشَّرُوبِ ، الوَاجِدُ
( شديد الحب )
لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، الظَّلُومِ لِلنَّاسِ ، الرَّحِيْبِ الجَوْفِ ]
. بيد أن هذه الصفات - حسب ما يبدو - ليست مقصودة بذاتها ، بل هي في حقيقتها كنايات عن صفات معنوية أو مقارنات معها تتصل بأخلاق الإنسان ، والشاهد على ذلك ما جاء في اللغة من جذر هذه الكلمة حيث نقرأ في اللغة : عتله : جذبه وجره ، يقال : عتله إلى السجن أي دفعه بعنف « 1 » ، وقال الله يأمر خزنة النار بعذاب الأثيم : « خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ » [ الدخان : 47 ] أي القوه بدفع وعنف ، والعتل في اللغة : الجافي الغليظ ، وفي بعض الروايات قال رسول الله
صلى الله عليه وآله :
كُلُّ رَحِيْبِ الجَوْفِ ، سَيِّئ الخُلُقِ ، أَكُولٌ ، شَرُوبٌ ، غَشٌومٌ ، ظَلُومٌ ]
« 2 » . وعن ابن مسكان عن
هامش
( 1 ) تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 394 .
( 2 ) مجمع البيان : ج 10 ، ص 423 .