صُنْعِهِ وَبَدَائِع خَلْقِهِ ،
قلت : فقول الله عز وجل ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى قال عليه السلام :
« ذَاكَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله دَنَا مِنْ حُجُبِ النُّورِ ، فَرَأَى مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ ، ثُمَّ تَدَلَّى صلى الله عليه وآله فَنَظَرَ مِنْ تَحْتِهِ إِلَى مَلَكُوتِ الأَرْضِ »
« 1 » .
وفي حديث آخر عن يونس بن عبد الرحمن قال : [ قُلْتُ لِأَبِي الحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام لِأَيِّ عِلَّةٍ عَرَجَ اللهُ بِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله إِلَى السَّمَاءِ وَمِنْهَا إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى ، وَمِنْهَا إِلَى حُجُبِ النُّورِ وَخَاطَبَهُ وَنَاجَاهُ هُنَاكَ وَاللهُ لَايُوصَفُ بِمَكَانٍ ؟ فَقَالَ عليه السلام :
إِنَّ اللهَ لَا يُوصَفُ بِمَكَانٍ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ ، وَلَكِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ يُشَرِّفَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَسُكَّانَ سَمَاوَاتِهِ ، وَيُكْرِمَهُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ ، وَيُرِيَهُ مِنْ عَجَائِبِ عَظَمَتِهِ ، مَا يُخْبِرُ بِهِ بَعْدَ هُبُوطِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَقُولُهُ المُشَبِّهُونَ سُبْحَانَ الله وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ »
« 2 » .
وقد يكون التدلي الأخذ من المعرفة والعلم ، كقولنا : تدلَّى فلان إذا أرسل دلوه في البئر ، واغترف منه ماء ، فإن الرسول كان يتدلى معرفة من بحار العلم والنور التي مر بها في ملكوت السماوات السبع أثناء رحلة المعراج ، قال الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في جواب له عن سؤال رجل عن هذه الآية ومعنى فَتَدَلَّى : [ إ
نَّ هَذِهِ لُغَةٌ فِي قُرَيْشٍ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ : قَدْ سَمِعْتُ ، يَقُولُ : قَدْ تَدَلَّيْتُ ، وَإِنَّمَا التَّدَلِّي الفَهْمُ »
« 3 » وكلما فهم الإنسان الحقائق ، ازداد معرفة بربه ، وتقرب إليه ودنا منه ، ولعل مرور الرسول في عروجه بملكوت السماوات ، ومشاهدته لما فيها من الآيات التي كانت تعرفه بربه أكثر فأكثر كلما صعد في الأفق نحو الحد الذي وصل إليه وتجلى له فيه نور ربه ، كان تهيئة له ليرى التجلي الأعظم لله في نوره الذي قرب منه الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .
فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أبدا ليس الله بعيدا عن خلقه . أَوَلم تقرأ في الدعاء :
« وَأَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ المَسَافَةِ ، وَأَنَّكَ لَا تَحْجُبُ عَنْ خَلْقِكَ ، وَلَكِنْ تَحْجُبُهُمُ الأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ دُونَكَ »
« 4 » . ولكن الإنسان هو البعيد عن ربه . أوليس قد تراكمت على نفسه حجب الغفلة والجهل والمعاصي ، فكيف يتلقى نور ربه ؟ ! .
وهب أنه طهَّر قلبه من كل ذلك فكيف تستقبل هذه النفس المحدودة العاجزة أنوار عظمة الخالق دون أن يتصدع قلبه ؟ أَوَليست قدرة الاحتمال عند النفس البشرية محدودة ؟ وهل تصبر العين على التركيز في قرص الشمس طويلا ؟ كلا . .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 347 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 315 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 313 .
( 4 ) البلد الأمين : ص 588 .