نَصِيراً [ الإسراء : 73 - 75 ] ، وقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ [ التوبة : 43 ] ، والآية الكريمة : لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [ آل عمران : 128 ] . وأشد من ذلك كله قوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ( 44 ) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِين [ الحاقة : 44 - 47 ] .
وأخيرا : لم يكن النبي يبلِّغ الرسالة للآخرين فقط ، بل كان هو يطبقها أيضا ، وقبل غيره ، بما فيها من واجبات تقتضي أن يخالف الإنسان أقوى منعطفات الهوى ، فهو يتقدم المؤمنين في أمر حاسم وخطير كالقتال ، أترى لو كان يتبع أهواءه يصنع كل ذلك ؟ ! .
[ 5 - 6 ] وكيف يتبع الرسول هواه ، فيُخفي بعض الذي أُنزل عليه ، أو يتقول على الله بدافع الشهوة والمصلحة ، وهو يعلم ما عنده من البطش والشدة ؟
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذو الإرادة المطلقة النافذة في الحياة ، وهذه ضمانة لتنفيذ الحق الذي جاء به القرآن وتطبيقه على الحياة .
ذُو مِرَّةٍ أي مطلق العلم والحكمة ، مما يجعل الرسالة ( الوحي ) كاملة دقيقة لا يلحقها نقص ولا عيب ، ولأن الرسول كان يتلقى رسالته وعلمه من صاحب هاتين الصفتين فقد تكامل بالتأكيد والعلم الإلهيين . .
فَاسْتَوَى وفي الآية أقوال شتى : فقال الكثير من المفسرين : أن من عَلَّم رسول الله هو جبرائيل الذي هو شديد القوى ، وهو أيضا ذو مرة وقد استوى .
وفي كلمة ذُو مِرَّةٍ قال البعض : إن معناها صاحب قوة ، وقال آخرون : ذو عقل ، وقيل : صاحب خلق حسن . أما عن الاستواء فقال البعض : إن معناه أن جبرائيل استوى هو والرسول ، وقال البعض : إن الرسول قد استوى ، وقال البعض : بل الله هو الذي استوى على عرش القدرة .
ولعل التفسير الذي اخترناه آنفا هو الأقرب ، لأن السياق لا يحدثنا شيئا عن جبرائيل ، ثم إن الاستواء الذي يهتم به سياق السورة متصل بالرسول ، لأنه يحدثنا عن الرسول وليس عمن علَّمه .
[ 7 ] وبهذا الاتصال أيضا سما النبي محمد صلى الله عليه وآله بروحه طهرا وعرفانا وزلفى إلى أفق الحق الأعلى ، فصار سيدا لأفضل خلق الله وهم النبيون عليهم السلام ، ولقد كان عروجه إلى الله في تلك الرحلة المشهودة تجسيدا لذلك السمو .
من هدى القرآن — صفحة 45
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥