تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
ومَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى المَاضِي ولَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ »
« 1 » . ونقل عن الإمام الباقر عليه السلام أنه رأى جابر بن عبد الله رضي الله عنه وقد تنفس الصعداء ( التنفس الطويل من هم أو تعب ) فقال عليه السلام :
« يَا جَابِرُ عَلَامَ تَنَفُّسُكَ ؟ أَعَلَى الدُّنْيَا ؟
فَقَالَ جَابِرٌ : نَعَمْ ، فَقَالَ لَهُ :
يَا جَابِرُ مَلَاذُ الدُّنْيَا سَبْعَةٌ : المَأْكُولُ وَالمَشْرُوبُ وَالمَلْبُوسُ وَالمَنْكُوحُ وَالمَرْكُوبُ وَالمَشْمُومُ وَالمَسْمُوعُ ، فَأَلَذُّ المَأْكُولَاتِ العَسَلُ وَهُوَ بَصْقٌ مِنْ ذُبَابَةٍ ، وَأَحْلَى المَشْرُوبَاتِ المَاءُ وَكَفَى بِإِبَاحَتِهِ وَسِبَاحَتِهِ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ ، وَأَعْلَى المَلْبُوسَاتِ الدِّيبَاجُ وَهُوَ مِنْ لُعَابِ دُودَةٍ ، وَأَعْلَى المَنْكُوحَاتِ النِّسَاءُ وَهُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ وَمِثَالٌ لِمِثَالٍ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ أَحْسَنُ مَا فِي المَرْأَةِ لِأَقْبَحِ مَا فِيهَا ، وَأَعْلَى المَرْكُوبَاتِ الخَيْلُ وَهُوَ قَوَاتِلُ ، وَأَجَلُّ المَشْمُومَاتِ المِسْكُ وَهُوَ دَمٌ مِنْ سُرَّةِ دَابَّةٍ ، وَأَجَلُّ المَسْمُوعَاتِ الغِنَاءُ وَالتَّرَنُّمُ وَهُوَ إِثْمٌ ، فَمَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ عَلَيْهِ عَاقِلٌ ؟
قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ الله : فَوَ الله مَا خَطَرَتِ الدُّنْيَا بَعْدَهَا عَلَى قَلْبِي ] « 2 » .
ثانياً : بالرضا والتسليم بالقضاء الذي يأذن به الله فيقع ، وهو أرفع درجة من الزهد ، بل أرفع درجات الإيمان لقول الإمام علي بن الحسين عليه السلام وقد سئل عن الزهد :
« الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ أَعْلَى دَرَجَةِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَةِ الوَرَعِ وأَعْلَى دَرَجَةِ الوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَةِ اليَقِينِ وأَعْلَى دَرَجَةِ اليَقِينِ أَدْنَى دَرَجَةِ الرِّضَا »
« 3 » . ولا يسمو الإنسان إليه إلا إذا آمن بأن كل ما يحدث في الوجود هو بتقدير مسبق من الله ( القدر ) ، فذلك بدل أن يؤثر فيه سلبا باتجاه الانحراف يؤكد فيه الانتماء إلى مسيرة الحق ، والتوحيد المخلص لله بدل الشرك ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [ البقرة : 155 - 156 ] ، لأنهم يعتقدون بهذه الحقيقة : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ مصيبة خارجية من حولكم ، قال صاحب المجمع : مثل قحط المطر وقلة النبات ، ونقص الثمرات وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ مباشرة [ من الأمراض والثكل بالأولاد ] « 4 » أو ما أشبه إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا فهي مكتوبة على الإنسان في قدر الله قبل الخلق الأول لنفسه ، وتحولها إلى الواقع إنما هو تصويب للقدر بإنفاذ القضاء ، ومن الصعب على الإنسان أن يستوعب هذه الحقيقة انطلاقا من النظر إلى نفسه وقدراته المحدودة ، ولكنه إذا فكر فيها من خلال إرادة الله وعلمه فالأمر هَيِّن عنده تعالى إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وكيف لا يكون كذلك وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ؟
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 16 ص 19 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 11 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ، ص 62 ، تفسير القمي : ج 2 ص 259 .
( 4 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 362 .