شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [ آل عمران : 103 ] ، وقالت فاطمة الزهراء عليها السلام تعكس محتوى هذه الآية وشبيهاتها :
« ابْتَعَثَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِتْمَاماً لِأَمْرِهِ ، وَعَزِيمَةً عَلَى إِمْضَاءِ حُكْمِهِ ، فَرَأَى الأُمَمَ فِرَقاً فِي أَدْيَانِهَا ، عُكَّفاً عَلَى نِيرَانِهَا ، عَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا ، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا ، فَأَنَارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَهَا ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَهَا ، وَجَلَا عَنِ الأَبْصَارِ غُمَمَهَا ، وَقَامَ فِي النَّاسِ بِالهِدَايَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ مِنَ الغَوَايَةِ ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمَايَةِ ، وَهَدَاهُمْ إِلَى الدِّينِ القَوِيمِ ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ،
وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ
، مُذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقَبْسَةَ العَجْلَانِ ، وَمَوْطِئَ الأَقْدَامِ ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ ، وَتَقْتَاتُونَ الوَرَقَ ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ ، فَأَنْقَذَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله بَعْدَ اللَّتَيَّا وَالَّتِي »
« 1 » .
[ 10 ] فلماذا لا يتبع البشر الآيات ويطبقونها إذا كانت تخرجهم من الظلمات إلى النور ؟ هل الظلمة خير من النور ؟ ! أم العذاب خير من رأفة الله ورحمته ؟ ! .
وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كل نعمة هي أمانة بيد الإنسان ، روحه وجسده وماله وكل شيء ، ويأتي يوم تُسْتَرَدُّ هذه الأمانة منه لتعود إلى مالكها وهو الله ، ليسأل كل واحد عن موقفه منها ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ [ التكاثر : 8 ] ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [ الصافات : 24 ] . ولماذا يمسك مال الله وأمانته دون أمره ، أفلا يستحق بعدها الجزاء ؟ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً [ النساء : 39 ] ؟ ! .
وكما يختلف الإنفاق في سبيل الله عن الإنفاق لأغراض أخرى ، بأن الأول مقبول مجزي عليه ، والآخر مردود وربما معاقب بسببه ، فإن الأول يتفاضل على بعضه أيضا ، نظرا لمستوى إيمان صاحبه ، وللظروف والمعطيات المحيطة به ، فالذي ينفق قبل الفتح والانتصار لا شك أنه أعظم درجة وفضلا ، وذلك لأسباب أهمها :
1 - سبقه إلى الحق والعمل الصالح ، ولعل الكثير من اللاحقين إنما اهتدوا بسببه ، فهو يصدق عليه حديث الرسول صلى الله عليه وآله :
« مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ »
« 2 » ، كما أنه مصداق لقوله تعالى : وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [ الواقعة : 10 - 11 ] .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 29 ، ص 223 .
( 2 ) الكافي : ج 5 ، ص 9 .