والجواب :
أولًا : إن الإيمان درجات فيصح أن يكون الخطاب للمؤمنين يدعوهم إلى درجة أرفع من الإيمان ، والإنفاق المأمور به في الآية هو أحد درجات الإيمان ، فليس كل المؤمنين منفقين .
ثانياً : إن الأمر بالإيمان والإنفاق قائم وملزم حتى لغير المؤمن ، فإن كان مسلما لما يدخل الإيمان قلبه فدعوته لذلك جائزة ، ولو افترضناه كافرا فهي قائمة وملزمة أيضا ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الكافرين والمشركين إلى التوحيد بما اشتهر عنه :
« قُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللهَ تُفْلِحُوا »
« 1 » ، فلا يعني ذلك أن أمره صلى الله عليه وآله قبيح ، ولا أن دعوته غير ملزمة ، فالأمر حينما يكون عقليًّا يلزم كل ذي عقل ، وحينما يكون شرعيًّا يلزم كل من بلغته الحجة ولو لم يذعن ، والدليل إلى ذلك توعد الله المخالفين لأوامره بالعذاب ، والأمر بالإيمان - ومن ثم الإنفاق - يتسم بالعقلانية ، كما هو مقتضى الشريعة .
وإذا كانت المعرفة مرتكز الإيمان فإن الإيمان مرتكز الإنفاق ، إذ لا قيمة لإنفاق بغير إيمان ، ولغير وجه الله ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 116 ) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ آل عمران : 116 - 117 ] ، والإيمان ليس يوجه الإنفاق إلى أهدافه الصحيحة ، ويجعله ضمن منطلقاته ودوافعه المطلوبة وحسب ، بل هو الذي يعطي الإنسان الإرادة والقدرة على تجاوز حرص النفس وشحها وسائر الضغوط والحوافز المعاكسة ، فالمؤمن يعطي في سبيل الله لاعتقاده بأن ذلك يؤدي إلى النماء ، وإلى الجنة ، وإلى رضوان الله وهو الأهم ، فلا يعتبر إنفاقه خسارة ، بل هو ربح في الواقع والمستقبل ، ثم هب أنه لم يحصل على نماء في الدنيا فإنه سوف يجد أجرا كريما في الآخرة .
ومن الحوافز الموضوعية إلى الإنفاق بالإضافة إلى الإيمان هو المعرفة الراسخة بأننا لا ننفق من عند أنفسنا ، إنما ننفق من ملك الله الذي استخلفنا فيه ، فلماذا الشح ما دام الأمر بالإنفاق هو المالك ؟ لذلك يؤكد القرآن قائلا : مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ وقد قيل في مُسْتَخْلَفِينَ معنيان :
الأول : أن الإنسان يأتي خلفا لسلف في الملك ، فيكون المعنى : أنفقوا من قبل أن يستخلف الله أحدا غيركم بإماتتكم ، أو نقل مالكم إليه .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 202 .