[ 3 ] يومئذ تتموج الكائنات كماء البحر الهائج ، فتنخفض الأرض المرتفعة ، وترتفع الأرض المنخفضة ، وهكذا الناس .
خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ، المستكبرون الذين علوا في الأرض بغير حق تخفضهم إلى حضيض جهنم ، والمستضعفون الذين حُرِموا حقوقهم ترفعهم الواقعة إلى الدرجات العلا في الجنة . جاء في الحديث عن الإمام زين العابدين عليه السلام : [ خَافِضَةٌ :
خَفَضَتْ وَالله بِأَعْدَاءِ الله إِلَى النَّارِ ،
رَافِعَةٌ
: رَفَعَتْ وَالله أَوْلِيَاءَ الله إِلَى الجَنَّةِ »
« 1 » .
[ 4 ] أرأيت كيف يتحرك المهد بالصبي ، كذلك الأرض ترتج يومئذ بما عليها ، حتى ينهدم كل ما بني ، ويتهاوى كل قائم .
إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً قال ابن عباس : [ الرجة : الحركة الشديدة ، يسمع لها صوت ] « 2 » ، ويبدو أن الرجة أعظم من الزلزال ، لذلك روي :
« مَنْ رَكِبَ البَحْرَ حِينَ يُرْتَجُ فَلَا ذِمَّةَ لَهُ »
« 3 » أي إذا اضطربت أمواجه ، ولا ريب أن تموُّج البحر حالة دائمة ، وإنما المراد بالارتجاج : اضطراب البحر وهيجانه . ولنا أن نتصور رهبة الناس عندما تضطرب الأرض من تحتهم ، فهل يبقى ما يعتمدون عليه ؟ ! .
[ 5 ] وإذا كانت الأرض أعظم ركائز السكينة والطمأنينة تتزلزل من تحتنا ، فإن الجبال وهي أكبر ركائز الثقة والثبات تتفرق وتتبدد ، فهل تبقى قائمة للماديين الذين خالفوا القيم ، وكذبوا بالحق اعتمادا على الكائنات الموجودة ، على التراب استخرج منه ، أو نبت فيه ، أو بني عليه ، وعلى الجبال وما شابهته من الصخر والحديد ؟ . وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسّاً أرأيت الحية كيف تذهب في الأرض ، كأنها تذوب فيها ، أرأيت الماء كيف يتفرق في الرمال العطشى ؟ أرأيت كيف يتفتت الثوب حينما يصبح خَلِقاً بالِياً ؟ هكذا الجبال الراسيات تتفرق في كل اتجاه ، كما يتفرق العهن المنفوش إذا تواصلت عليه الأعاصير الهوج .
[ 6 ] فإذا بُسَّت الجبال انتشرت في الفضاء كما الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب حسب ما رُوي عن أمير المؤمنين عليه السلام . فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً وقال البعض : [ الهباء : هو الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار ] « 4 » ، ولعل الجاذبية تنعدم مما تجعل الصخور تفقد تماسكها الداخلي ، فتتفتت إلى ذرات متناهية في الصغر ، ولعلها تتلاشى كما الشرر المتطاير من
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 70 ، ص 92 .
( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 196 .
( 3 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 196 .
( 4 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 197 .