التي لا تكذيب لها ، هنالك عندما تخفض فريقا إلى النار ، وترفع آخر إلى الجنة ، عندما تهتز الأرض ، وتتفتت الجبال ، وتنتشر هباء في الفضاء .
ولكن لماذا هذه الكلمات في فواتح تلك السور ، التي تُذكِّر العباد بيوم المعاد الرهيب ؟ ربما لأن الناس في غفلة شاملة ، لا ينتفعون شيئا بالعبر والعظات ، فهم بحاجة إلى هزة عنيفة لعلهم يستمعون إلى النذير .
ثم تمضي السورة تحدثنا عن الفرق الثلاث التي تفرزها عن بعضها الواقعة : المقربون ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال . المقربون الذين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين في نعيم مقيم ، يتكئون على سرر منسوجة بالذهب ، مشبكة بالدر يتقابلون مع بعضهم براحة وسكينة ، وزوجاتهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ، يعيشون في صفاء وهناء بعيدا عن اللغو والتأثيم ، في حياة كلها سلام ووئام .
بينات من الآيات :
[ 1 ] حينما تقوم القيامة ، وينهار نظام الأفلاك ، وتنعدم الجاذبية ، وتتلاقى الكرات ، هنالك هل يمكن تكذيبها ؟ كلا . . أم ينفع التصديق بها من كذب بها من قبل ؟ أبدا .
دعنا إذن نصدق بها اليوم قبل ضياع الفرصة الوحيدة .
إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ قال بعضهم : إِذَا هنا صلة ، ومعنى الآية : وقعت الواقعة ، ولنا أن نقول : إنها ظرف زمان معناه : حينما تقع الواقعة لا تكذيب لها .
والقرآن الكريم يجعلنا نعيش بآياته الكريمة المستقبل كما نعيش الحاضر ، ذلك أنه كلما كان وعي البشر للحقائق القادمة أشد وأنمى كَيَّفَ حياته وفقها ، وهكذا يتفاضل الناس بينهم بما يستوعبون من حقائق المستقبل في حاضرهم فيزدادون اجتهادا إليها وسعيا ، ويحذرون من الانحراف عنها ، والغفلة عنها .
[ 2 ] لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ إنها وقعة صادقة وليست كاذبة ، وقال بعضهم : لا نفس تكذب بها ، والمعنى الأول أشد وقعا في الفؤاد ؛ فليس شيء في الطبيعة قادرا على تكذيبها لأنها تفرض نفسها على كل ذرة من الكائنات . في حين أن المعنى الثاني يخص البشر ؛ فإنه لا أحد يقدر على التكذيب بها ، ليس فقط حين وقوعها ، وإنما الآن أيضا لا يمكن التكذيب بها لمن أوتي عقلا وإحساسا . أوليست الحياة كلها تهدينا إلى أنها ذات هدف وحكمة ، أَوَيمكن تصور حكمة لها من دون الإيمان بالساعة كما قال ربنا : وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا [ الحج : 7 ] .
من هدى القرآن — صفحة 188
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٨