كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ
، وَقَالَ أَهْلُ النَّارِ :
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ
. وَقَالَ إِبْلِيسُ
رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي . فَقُلْتُ وَالله مَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ ، وَلَكِنِّي أَقُولُ : لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللهُ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى . فَقَالَ عليه السلام :
يَا يُونُسُ لَيْسَ هَكَذَا ، لَا يَكُونُ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى ، يَا يُونُسُ تَعْلَمُ مَا المَشِيئَةُ ؟ .
قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام :
هِيَ الذِّكْرُ الأَوَّلُ . فَتَعْلَمُ مَا الإِرَادَةُ ؟ .
قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام :
هِيَ العَزِيمَةُ عَلَى مَا يَشَاءُ . فَتَعْلَمُ مَا القَدَرُ ؟ .
قُلْتُ : لَا . قَالَ عليه السلام :
هِيَ الهَنْدَسَةُ وَوَضْعُ الحُدُودِ مِنَ البَقَاءِ وَالفَنَاءِ .
قَالَ ثُمَّ قَالَ عليه السلام :
وَالقَضَاءُ هُوَ الإِبْرَامُ وَإِقَامَةُ العَيْنِ .
قَالَ فَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أُقَبِّلَ رَأْسَهُ وَقُلْتُ : فَتَحْتَ لِي شَيْئاً كُنْتُ عَنْهُ فِي غَفْلَة ] « 1 » .
وروي عن الإمام الكاظم عليه السلام : أنه قال
« مَسَاكِينُ القَدَرِيَّةِ أَرَادُوا أَنْ يَصِفُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِعَدْلِهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ »
« 2 » . وعن أبي جعفر عليه السلام قال :
« نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي القَدَرِيَّةِ . . . »
« 3 » . يبدو من عدة روايات إنها تتضمن ردًّا على القدرية الذين نفوا تقديرات الله ، وفيهم نزلت هذه الآية ، وقد استدل البعض بهذه الآية على أن أعمال الإنسان هي الأخرى مقدرة فزعم أنها تدل على الجبر ، والصحيح أن كل شيء مقدَّر من قبل الله ، ومن تقديراته الاختيار الذي وهبه للإنسان .
والذي يظهر أن الآية تثبت أكثر من أية فكرة أخرى حكمة الله في الحياة ، التي تهدينا معرفتها إلى الإيمان بالمسؤولية ، والدار الآخرة أعظم تجلياتها ، حيث يحاسب الناس على سعيهم ، ويلقون جزاءهم الأوفى خيراً أو شراً ، جنةً أو ناراً .
وفي كتاب ( الله والعلم الحديث ) يضرب المؤلف « 4 » أمثلة للحكمة الإلهية فيقول : [ إن الجوارح التي تتغذى بصغار الطيور قليلة العدد ، لأنها قليلة البيض ، قليلة التفريخ ، فضلا على أنها لا تعيش إلا في مواطن خاصة محدودة ، وهي في مقابل هذا طويلة الأعمار ، ولو كانت مع عمرها الطويل كثيرة الفراخ مستطيعة الحياة في كل موطن لقضت على صغار الطيور ، وأفنتها على كثرتها وكثرة تفريخها ، أو قللت من أعدادها الكبيرة اللازمة بدورها لطعام هذه الجوارح وسواها من بني الإنسان ، وللقيام بأدوارها الأخرى ووظائفها الكثيرة في هذه الأرض .
بغاث الطير أكثرها فراخا * وأم الصقر مُقلَّات نزور
هامش
( 1 ) أصول الكافي : ج 1 ، . 157
( 2 ) بحارالأنوار : ج 5 ، ص 54 .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 5 ، ص 118 .
( 4 ) عبد الرزاق النوفل .