الإجابة تتلخص في كلمة ذكر الله ، فبه تفيض النفس سكينة ، والقلب اطمئنانا . إنه النور الذي يهزم ظلام الجهل والوسوسة والغفلة عن الفؤاد . .
فعندما تعصف وساوس الشيطان بالنفس ، وتتلاحق عليه نزغاته وهمزاته ، لا يجد الإنسان مفرا إلا إلى الله . أوَلمَ يقل ربنا : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الأعراف : 200 ] . وقال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الأعراف : 201 ] .
ولكن البعض يعشو عن ذكر الله ، يتغافل عنه ويتجاهله ، لا يستعيذ بالله ، يستسلم لنزغات الشيطان ، ولا يتذكر أنه عدو مبين . وهنالك يتمكن منه الشيطان ، ويعين له الله قرين سوء من الشياطين يقوم بأمرين :
الأول : يمنعه من عمل الخير ، ولا يدعه يسلك سبيل الرشاد ، فيسلب بذلك توفيق الهداية عنه .
الثاني : يزيِّن له سوء عمله فيراه حسنا فلا يفلح أبدا .
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ قالوا : أصل العشو النظر ببصر ضعيف ، يقال عشا إذا ضعف بصره ، وأظلمت عينه نُقَيِّضْ نُعِين أو نُتيح لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يلازمه ولا يدعه لوحده ليله ونهاره .
ولعل استخدام اسم الرَّحْمَنِ هنا لبيان مدى عمى الرجل الذي يعشو عن النظر إلى آثار من وسعت رحمته كل شيء ، وتدبيره وهيمنته المصطبغين بالرحمة يمسكان بالكون . أفلا التجأ إليه من عادية إبليس ، وفرَّ إلى كهف رحمته من عدوه المبين ؟ ! .
[ 37 ] [ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ بالضبط نقيض ما تفعله الملائكة بقلب المؤمن حيث تثبته على الطريق ، وتزيل عن طريقه العقبات حتى يتوفق لعمل الخير ، بينما قرين السوء يُسوِّف صاحبه التوبة ، ويعرقل مسيرته إلى الله ، ويلقي عليه الكسل كلما قام إلى الصلاة أو دُعِيَ إلى فعل الخير . إنه يملأ قلبه وعودا كاذبة وأماني ووساوس .
بل قد يفتح الشيطان أمام صاحبه بابا مستقبليا من الخير حتى يمنعه عن الخير العاجل ، ثم يمنعه عن ذلك الخير أيضا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ هكذا يزين الشيطان لقرينه الضلال حتى يحسبه هدى . وما دام الإنسان يشك في طريقته يرجى له النجاة ، ولكن حينما يزين الشيطان له عمله فلا يجد في نفسه داعيا إلى التفكر في صحة نهجه وسلامة خطه ، لا ينجو أبدا .
من هدى القرآن — صفحة 45
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٥