وبالرغم من أنهم كانوا ينتظرونه لم يقدروا على الدفاع ، ولهم ينصرهم أحد ، وما كان يمكن نصرهم أبدا .
وبعد أن يشير السياق إلى قصة نوح يختم الدرس الذي نستوحي منه سنة الجزاء في الخلق ، وأنها لا تختص بقوم ولا بذنب ، فكل فسق وجريمة وإسراف يلقى جزاءه ، وهذا الجزاء دليل هيمنة الرب وعدالته وقدرته ، وكل ذلك يهدينا إلى الجزاء الأكبر في الآخرة .
بينات من الآيات :
[ 20 ] لو اطلعت ضحى من فوق ربوة على مروج خضراء ، تحيط بها أشجار مثمرة ، وعلى اليمين منها ابتسم لك حقل من ورود متنوعة ، لا بد أن جمال المنظر يشغلك عن تذكر الحقيقة التالية : أنه لولا ضياء الشَّمس الذي ينعكس على الطبيعة لما ما ظهرت هذه الألوان الجذابة عليها . أليس كذلك ؟
وإذا تذكرت هذه الحقيقة عرفت آنئذ أن كل ورقة زاهية من هذه الورود وكل نبتة خضراء رائعة في تلك المروج علامة واضحة على وجود ضياء الشمس .
أصحاب البصائر يتذكرون هذه الحقيقة ، وينفذون بعقولهم إلى غيب الواقع المشهود فيما يتصل بخالق الطبيعة ، ويعرفون أن كل شيء في الخليقة آية ظاهرة لخالقها العظيم ، كما أن انعكاسات النور شاهدة على وجود مصدره ( الشمس ) ، وتعالى الله عن الأمثال .
ومن هنا كانت آيات الله في الأرض تتجلى للمؤمنين بصورة أبهى وأسنى ، أما غيرهم فإن جمال المظهر يشغلهم عن ينبوع النور والجمال والبهاء ، لأن نظرتهم قاصرة ، وهمتهم محدودة ، فلا تتجاوز الحقائق الجزئية والذاتية .
وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ المنهج القرآني الذي يكشف حجب العناد والريب والغفلة عن بصائر الناس ، ويجعلهم يتفكرون في غيب السماوات والأرض ، ولا ينظرون فقط إلى ظاهر الحياة الدنيا ، بل يجعلون كل ظاهرة جسرا إلى غيبها ، وكل حدث نافذة إلى رحاب الحقيقة الأكبر منه .
بلى ، هذا المنهج القرآني المعجز يصل الإنسان بالخليقة عبر جسر الإيمان ، حتى ليصبح كل شيء من حوله ناطقا يناجيه بسر الكائنات ، ويتناجى هو معه بلغة العارفين .
إن حقائق الخلق ، من حجر وشجر وأحياء . . من سحب تلبِّد السماء ، وغيث يسقي
من هدى القرآن — صفحة 414
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٤