إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ بلى ؛ قد تكون هناك أسباب طبيعية ظاهرية للحياة والموت ، ولكن الواقع الذي يغيب عن أذهاننا أنهما والبعث بيد الله ، وهذه الحقائق الثلاث ( الحياة والموت والبعث ) تثبت بعضها بعضا . ولو أن الكافرين تفكروا في وجودهم وحياتهم لاهتدوا إلى أن الله هو الذي أوجدهم وأنه الذي يميتهم وأنهم يبعثون ، وليس كما زعموا : وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [ الجاثية : 24 ] .
[ 44 ] إن مشكلة الإنسان العميقة التي تجعله يكفر بالبعث أو يشك في الآخرة ، هي شكه في قدرة الله ، بسبب نظرته المحدودة إلى الحياة ، فإذا به يستبعد كما في هذه السورة أن يرجع الإنسان سويا بعد تحوله إلى تراب أو رميم من العظام لذلك يؤكد الله يسر الأمر عليه فيقول : يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ كما تشقق عن الفطر والنبات ، ولكن العملية تتم في فترة زمنية وجيزة جدا ، فإذا بالناس جميعا وقوف ينظرون ، وهذه من أصعب الساعات على البشر ، قال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام :
[ أَشَدُّ سَاعَاتِ ابْنِ آدَمَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ ، السَّاعَةُ الَّتِي يُعَايِنُ فِيهَا مَلَكَ المَوْتِ ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا مِنْ قَبْرِهِ ، وَالسَّاعَةُ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا بَيْنَ يَدَيِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ . . ]
« 1 » .
وقال أمير المؤمنين الإمام علي :
[ لَاتَنْشَقُّ الأَرْضُ عَنْ أَحَدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا وَمَلَكَانِ آخِذَانِ بِضَبْعِهِ « 2 » يَقُولَانِ : أَجِبْ رَبَّ العِزَّةِ ]
« 3 » .
[ 45 ] ويختم الله السورة بالتأكيد للنبي - ولكل داعية إلى الحق - بأنه ليس مسؤولا عن الناس وليس عليه أن يجبر الناس على قبول الحق ، وإنما مسؤوليته تتلخص في تبليغ رسالته إليهم ، أما الحساب الفصل فهو عند الله ، الذي هو أحرص على رسالته ، وأعلم بمواقف الناس تجاهها .
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ وما هي قيمة الإيمان الذي لا يأتي عن قناعة راسخة بضرورته ؟ إنه لا ينفع صاحبه ، ولا يخدم الرسالة ، وفي هذه الآية بيان لجانب من الحرية في دين الله .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 79 ص 173 .
( 2 ) قال الفيروزآبادي : الضبع : العضد كلها أو وسطها بلحمها ، أو الإبط أو ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاه .
( 3 ) بحار الأنوار : ج 7 ص 106 .