رسالته وأوليائه ، ويستزيد من عمل الصالحات فإنه ينطلق في مسيرة تصاعدية نحوالأعلى ، يتقرَّب إلى الله درجة بعد أخرى كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتَابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ [ المطففين : 18 - 21 ] .
[ 27 ] وحيث يلقى المشرك في جهنم يظل يهوي إلى الأسفل مدة من الزمن حسب انحرافه وسيئاته إلى أن يحل في مكانه المعد له بين يدي عذاب إلهي شديد ، وهناك كما عند الحساب يلقى قرناءه عملا فيدور بينهم خصام شديد يلقي كل طرف فيه اللوم على الطرف الآخر محاولا بذلك التهرب من المسؤولية ، فإذا بالذي جعل مع الله آلهة أخرى - وقد أمر به إلى النار - يريد التخلص من عذابها بإلقاء مسؤولية انحرافه وضلاله على قرينه .
قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ إنه كاذب في ادعائه بأنني السبب في طغيانه ، ثم يستدل قائلا : وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ ربما يكون للآخرين دور في انحراف مسيرة الإنسان ولكنه لا يعدو كونه مساعدا ، أما الدور الأكبر والسبب الحقيقي مرهون باختياره وإرادته للباطل دون الحق ، فلأنه أساسا اختار الضلال تجد مساعي الآخرين والظروف المتجانسة مع اختياره موقعا مؤثرا في حياته .
[ 28 ] ثم إن التخاصم عند الله لا ينفعهم شيئا وذلك لما يلي :
أولًا : إن المصير الذي صاروا اليه لم يكن مفاجئا ولا غامضا لهم . وكيف يكون كذلك وقد أقام الله الحجة البالغة عليهم ، وأنذرهم من هذه العاقبة ، عبر كتبه ورسله ؟
قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ وأنذرتكم من أن الشرك والضلال يستوجب العذاب الشديد ، وضربت لكم المثل تلو المثل من حياة الأقوام السابقة ( الآيات 12 إلى 14 ) ولكنكم كذبتم النذر ، واستهزأتم بالوعيد ، والقرآن يفصل هذه الحقيقة في موضع آخر ، يقول تعالى : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ( 8 ) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ( 9 ) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ( 10 ) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ [ الملك : 8 - 11 ] .
[ 29 ] ثانياً : إن لله سننا وقيما في هذه الحياة ، جعلها حاكمة وجعلها الميزان في كل قضية ، وعلى أساسها يكون حساب الناس ومصيرهم ، وهي ثابتة لا تتغير . ومنها أن جزاء الكافر والمشرك النار ، وجزاء المؤمن الجنة ، ولا يمكن أن يكون العكس وإلا فما هي حكمة الحياة الدنيا ، وما هو دور النذر إذا لم يجعل الله للثواب والعقاب نظاما محددا ؟ !
من هدى القرآن — صفحة 379
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٩