انقلاب حقيقي لنفس الإنسان .
وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ تدل كلمة وَلَمَّا على أن من أسلم يرجى له الإيمان ، ولعلها تشير أيضا إلى التأخير ، مثل ثم في الإيجاب ، مما يوحي بأن المسافة بين الإسلام والإيمان ليست بسيطة ، وأن على الإنسان المسلم أن يقطع هذه المسافة بجهده المتواصل . فإذا كان الإسلام بمثابة القبول في معهد علمي راق ، فإن الإيمان هو التخرج فيه بنجاح . جاء في الحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ الإِيمَانُ إِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَمَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ ]
« 1 » . وفي حديث آخر مروي عن الإمام الصادق عليه السلام :
[ الإِيمَانَ يُشَارِكُ الإِسْلَامَ والإِسْلَامَ لَا يُشَارِكُ الإِيمَانَ ]
« 2 » .
وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وكيف يُنقِصُ الله الغفور الرحيم شيئا من أعمال عباده التي تحصن بالطاعة لله وللرسول ؟ ونستلهم من هذه الآية أن مقياس الإيمان الحق هو الطاعة ، ذلك أن الطاعة امتحان صعب ، إنها خروج عن زنزانة الذات إلى رحاب الحق ، وتجاوز لحواجز المادة ، وانطلاق في ميادين الخيرات .
[ 15 ] وجاءت الآيات التالية تبيِّن شروط الإيمان أوَلَيس الإيمان هو القوة التنفيذية لكل تعاليم الوحي ، وهو روح المجتمع الدافعة من دونها تصبح أنظمتها حروفا بلا معاني ؟ ! .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا متى يرتاب المؤمن ؟ عندما يكلَّف بمهمة صعبة توسوس له نفسه في صدق إيمانه ، أما من مَحضَ الإيمان فإنه كالذهب الخالص كلما تعرض لنيران الصعاب ازداد جلاء ونورا .
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إن الجهاد بذل ما يسعه من الجهد في سبيل الله ، ولا يكون ذلك إلا عندما يخلص القلب من شوائب الكفر والشرك والنفاق .
أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ إنها حقيقة الإيمان التي تتجلى في الطاعة والجهاد ومن دون الوصول إلى هذه الحقيقة لا يمكن تصديق إيمان الفرد ، أما إسلامه فهو صادق بمجرد قبوله دين الإسلام والتزامه به .
[ 16 ] والذي يكابر ويدعي أنه مؤمن برغم كل ذلك فإنه قد سفه نفسه ، كيف يزعم بأنه يعلِّم الله دينه أوَلَيس الله محيطا علما بكل شيء ؟ .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 10 ص 366 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 25 .