نَعَم . قال صلى الله عليه وآله :
لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِب ]
« 1 » .
وهكذا تجاوز المسلمون السابقون عقبات التخلف الجاهلي حين تجاوزوا حواجز الدم واللون والإقليم ووحَّدوا طاقاتهم المتشتتة تحت راية التوحيد ، وجعلوا التقوى محور تنافسهم البناء . وقد اشتهرت عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك مقطوعة رائعة « 2 » :
الناس من جهة التمثال أكفاء * أبوهم آدم والأم حواء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة * وأعظم خلفت فيهم وأعضاء
فإن يكن لهم من أصلهم حسب * يفاخرون به فالطين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم * على الهدى لمن استهدي أدلاء
وللرجال على الأفعال سيماء * وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
وضد كل امرئ ما كان يجهله * والجاهلون لأهل العلم أعداء
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وتأتي هذه الخاتمة لبث السكينة في قلوب المؤمنين ألا يقلقوا إن رأوا تكالب الناس على الدنيا وتدابرهم عن أهل التقوى ، فإن الله عليم بهم وخبير وبيده أزمَّة الأمور وهو يكرم المتقين ، وكفى به شاهدا وكفى به مثيبا عادلا .
[ 14 ] لأن تجاوز الحمية الجاهلية صعب مستصعب وبخاصة على الأعراب الذين عاشوا دهرا يسبحون بأمجادهم ومفاخرهم ، فإن القرآن الكريم يذكرنا بأن الإيمان ليس مجرد التسليم الظاهر للدين الجديد ، بل هو تغيير عميق للشخصية يتجلى في الممارسات العملية ، ومن زعم أن بإمكانه الجمع بين قيم الجاهلية والدين فإنه لم يفهم معنى الدين . أوليس الدين شفاءً من أمراض الجاهلية . . وبديلا صالحا للقيم الفاسدة فكيف يجتمعان ؟ .
الدين الحق جهاد متواصل لمواجهة سلبيات البشر . مثل : حواجز الدم واللون والأرض وقيم الأنساب والتقاليد والأعراف البائدة والهوى والشهوات والجهل والتحزب ، فمن استطاع أن يخلص طاعته لله وللرسول ( دون تقاليده وتراث سلفه ) ، وجاهد في سبيل إصلاح مجتمعه ، فهو الذي ارتقى إلى مستوى الإيمان .
* قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا والفرق بينهما أن الإسلام هو التسليم للدين تسليما ظاهرا . . بقبول الشهادتين والخضوع للأحكام الشرعية ، بينما الإيمان
هامش
( 1 ) كنز العمال : ج 3 ، ص 93 .
( 2 ) ديوان الإمام علي عليه السلام ، ص 24 ، دار نداء الإسلام للنشر - قم المقدسة .