المؤمنين على الحرب والاستقامة قبلوا بالصلح .
إن الله سبحانه قد يقبل بيعة المؤمنين ، ويغفر ذنوبهم كلها . أليست الحسنات يذهبن السيئات ؟ بلى ، إن الموقف البطولي يساوي عند الله الشيء الكثير ، ويرجح في ميزانه على كل عمل ، ولعله لذلك يغفر الله للشهيد كل ذنوبه .
ولقد كانت بيعة المؤمنين للرسول تحت الشجرة دليلا أكيدا على عمق إيمانهم بالرسالة ، ولو لم يكونوا مؤمنين بمعنى الكلمة لما بايعوا الرسول صلى الله عليه وآله وهم يعلمون أن المواجهة بينهم وبين المشركين لو حصلت تعني حسب المقاييس الظاهرة إبادتهم من الوجود ، ومن هذا المنطلق كانت البيعة فارقا بين المنافقين وضعاف الإيمان وبين المؤمنين الصادقين ، وهي كما كشفت فريق المخلفين ميَّزت المؤمنين وأفرزتهم ، وهكذا تنفع المواقف الحرجة الحركة الرسالية في الكشف عن هوية أفرادها ونقاط القوة والضعف فيهم .
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الثبات وصدق الإيمان وعموم مؤهلات النصر الإلهي فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً وقد تجسد ذلك الفتح في الانتصارات والمغانم التي صار إليها المؤمنون بعد ذلك في معركة خيبر وفتح مكة وغيرهما ، ولا شك أن المؤمنين كانوا يخسرون الكثير ، وتفوتهم هذه الانتصارات لو كان قرارهم الانهزام ، وهذه الحقيقة واضحة في تاريخ الأمم والحركات ، فهي عندما تتمسك بمبادئها وأهدافها ، وتستقيم من أجل ذلك رغم المصاعب والتضحيات ، تصل إلى ما تريد بتضحيات أقل ، بينما تقصر على غاياتها ، وتعيش الذل والهوان ، حينما تنقلب على أعقابها ، وتدفع إضافة إلى ذلك أضعافا مضاعفة من الخسائر ضريبة للهزيمة .
ومن خلال الآيات المتقدمة يتضح أن المؤمنين وصلوا للمكاسب التالية نتيجة لثباتهم على العهد :
- 1 تثبيت الإيمان في قلوبهم وزيادته .
- 2 الفتح العسكري القريب إضافة إلى الفتح السياسي المتمثل في صلح الحديبية .
- 3 المغانم الكثيرة معنوية وسياسية واقتصادية .
[ 20 ] وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا في المستقبل ، ولكنه عجل لهم أمرين :
الأول : المغانم الأولية التي حصل عليها المؤمنون أثر الصلح ، كدخول أفواج من الناس في الدين ، وتحالف بعض القبائل مع الرسول ، وحصول حالة من الأمن تمكنه من بناء حركته
من هدى القرآن — صفحة 280
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٨٠