هَذِهِ الأَرْضِ ، وَهُمْ مَعْرُوفُونَ فِي أَهْلِ السَّمَاوَاتِ ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ هَذِهِ الأَعْضَاءَ المُتَفَرِّقَةَ فَيُوَارُونَهَا ، وَهَذِهِ الجُسُومَ المُضَرَّجَةَ وَيَنْصِبُونَ لِهَذَا الطَّفِّ عَلَماً لِقَبْرِ أَبِيكَ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ عليه السلام لَا يَدْرُسُ أَثَرُهُ ، وَلَايَعْفُو رَسْمُهُ عَلَى كُرُورِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ وَلَيَجْتَهِدَنَّ أَئِمَّةُ الكُفْرِ وَأَشْيَاعُ الضَّلَالَةِ فِي مَحْوِهِ وَتَطْمِيسِهِ فَلَا يَزْدَادُ أَثَرُهُ إِلَّا ظُهُوراً وَأَمْرُهُ إِلَّا عُلُوّاً ]
« 1 » .
وكذلك حين خاطبت يزيد الحاكم الأموي الذي قتل ذرية رسول الله فقالت له :
[ وَلَئِنِ اتَّخَذْتَنَا مَغْنَماً لَتَجِدُنَا وَشِيكاً مَغْرَماً حِينَ لَا تَجِدُ إِلَّا مَا قَدَّمْتَ :
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فَإِلَى الله المُشْتَكَى وَعَلَيْهِ المُعَوَّلُ فَكِدْ كَيْدَكَ وَاسْعَ سَعْيَكَ وَنَاصِبْ جُهْدَكَ فَوَالله لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا وَلَاتُمِيتُ وَحْيَنَا وَلَاتُدْرِكُ أَمَدَنَا وَلَاتَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا ]
« 2 » .
هكذا كانت عليها السلام تنظر إلى آفاق المستقبل البعيدة ، دون أن تأسرها مصاعب اللحظات الراهنة الآنية ، وهكذا كان جميع حملة الرسالة عبر التاريخ ، ينظرون إلى الآفاق البعيدة ، فكانوا يتحملون تلك المصائب الرهيبة التي لو أنزلت على جبل لهدته هدا ! بلى ، بالإيمان بأن الله معهم ، وأنه لا يضيع أعمالهم الصالحة ، ويحفظ جميع جهودهم ، ويباركها وينمِّيها وأنه يكيد الكافرين ، ويحبط أعمالهم ويبطلها ، وأن العاقبة للمتقين ، بكل ذلك كان المجاهدون على امتداد التاريخ يتحدون الصعاب .
[ 36 ] ونتساءل : لماذا تخور عزائم البعض في مواجهة أعداء الدين ؟ لماذا يستحوذ عليهم الوهن ويدعون إلى السلم ؟ .
إن السبب هو حبُّ الدنيا ، ولذلك يحذِّرنا الرب منها ، ويبيِّن لنا القيمة الحقيقية لها فيقول : إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وإذا انتزعنا حب الدنيا من قلوبنا ، فسوف نتسلَّح بالشجاعة الكافية لمواجهة الأعداء ، كما نستعد لاقتلاع جذور سائر الأمراض القلبية التي تحدثت عنها هذه السورة المباركة كالنفاق والحسد والكبر ، لأن :
[ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ ]
« 3 » - كما في حديث مأثور - .
وإذا جردت حياتنا في الدنيا من هدفها المتعالي المتمثل في بلوغ الجنة والرضوان ، فهل يبقى فيها هدف معقول ؟ كلا . . وماذا نتصوره من هدف حكيم للطعام والشراب لو تفكرنا فيه ليس سوى لذة عابرة ، وقوة تتبدد ، ودورات قصيرة لا ننتهي من واحدة حتى نقع في الأخرى ،
هامش
( 1 ) بحارالأنوار ، ج 28 ، ص 55 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 45 ، ص 134 .
( 3 ) الكافي : ج 2 ص 130 .