[ 35 ] إن صلابة الجبهة الداخلية شرط أساس للانتصار ، وينعطف السياق نحو المؤمنين فيأمرهم - بعد الطاعة - بمقاومة إغراءات السلام ، بعد تراكم الصعوبات ، ذلك السلام الذي يعني الاستسلام والصَّغار فَلا تَهِنُوا لا تخشوا الهزيمة ، ولا تهابوا العدو وإن كان أكثر منكم عدة وعددا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ فلا تكونوا أول من يدعو إلى الصلح من الفريقين المتحاربين ، خشية الموت والهزيمة وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ فما دمتم مؤمنين ، فأنتم الأعلون بقيمكم وقدراتكم ، لأن الإيمان بصيرة وقوة ، بصيرة لما يوفِّره فينا من منهجية عقلية ، ورؤية حياتية ، وقوة بما يلهمه من عزم في الإرادة ، وتلاحم في الصفوف ، وَوَلَهٍ في الشهادة ، واستقامة وصبر في المكاره .
والسؤال : أي صلح هذا الذي نهى عنه القرآن ، بينما يقول ربنا سبحانه : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [ الأنفال : 61 ] . فهل هذه ناسخة أم تلك ؟ .
يبدو أن هذه الآية نهت عن الدعوة إلى الصلح القائم على أساس الوهن ، لأنها تستتبع الذل والهزيمة ، وهي في النهاية استسلام للعدو . . بينما أمرت الآية الأخرى بقبول الصلح الذي يدعو إليه العدو لوهن أصابه وضعف ، وكلا الأمرين يخدمان القيم الرسالية . . ففي الوقت الذي يكون الصلح لمصلحة الإسلام وقوته وغلبته وتأتي الدعوة إليه من العدو لا بد من قبوله ، بينما لا ينبغي المبادرة من قبل المسلمين إلى الدعوة إليه انطلاقا من الإحساس بالوهن والضعف . ولذلك جاء في الحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الأشتر أنه قال :
[ ولَا تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ ولِلَّهِ فِيهِ رِضًا ]
« 1 » .
وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ قالوا : معناه لن يؤدكم من دون أعمالكم ، لأن الوتْر بمعنى الإفراد ، وإنما سمي الذي قتل منه أحد موتور ، لأنه بقي مفردا من دونه . وهكذا ضمن الله حفظ أعمال المؤمنين ، كما وعد الكفار بحبط أعمالهم ، فكلما بذله المسلمون في طريق تقدم الرسالة يحفظه الله ويجعله مفيدا .
ينبغي إذن ألا نستعجل النتائج ، وأن نصبر في المواجهة ، حتى يأتي النصر . ولنعلم أن النصر آت ، وكل آت قريب ، وقد لا نراه نحن وإنما يقطف ثماره أبناؤنا . وزينب بنت علي عليهما السلام ضربت أروع الأمثلة في التحلي بهذه البصيرة ، فلقد كانت تتذكر حين شدة البلاء ، وتراكم المصائب والآلام ، هذه حقيقة أن الله لا يضيع جهود المجاهدين . فلقد ألقت نظرة على مصارع إخوتها وأبنائها وأصحاب الرسالة ، وقالت مخاطبة الإمام علي بن الحسين عليهما السلام ابن أخيها :
[ مَالِي أَرَاكَ تَجُودُ بِنَفْسِكَ يَابَقِيَّةَ جَدِّي وَأَبِي وَإِخْوَتِي ، . . . . فَوَ اللهَ : إِنَّ ذَلِكَ لَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللهَ صلى الله عليه وآله إِلَى جَدِّكَ وَأَبِيكَ وَعَمِّكَ ، وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ أُنَاسٍ [ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ] لَاتَعْرِفُهُمْ فَرَاعِنَةُ
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : كتاب 53 .