كان بعضهم بعيدين من عصره وَمِنْ خَلْفِهِ ، والله العالم .
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ هذه هي الرسالة بصورة مختصرة ، وهي تحتوي على سائر التعاليم ، فمن عبد الله وحده تعبد بالشريعة التي أمر بها ، ومن عبد الله وحده كفر بالطاغوت وكل مستكبر وظالم ، ورفض التبعية ، ومن عبد الله وحده لم يسترسل مع شهوات الدنيا حتى الهلاك إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ .
[ 22 ] أما عاد فقد تشبثوا بالواقع الراهن رغم فساده ، لأنهم زعموا أن مصالحهم تتعرض للخطر لو آمنوا بربهم .
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا وكأن آلهتهم التي كانت رمزا لقوى الظلم والاستكبار هي المقدسات التي أراد هود أن يصرفهم إفكا عنها .
وربما يوحي الاستفهام بأنهم لم يصدقوا أنفسهم كيف يجرأ أحد على مقاومة تلك الآلهة ، لذلك تحدوا هودا بكل صلافة قائلين : فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ وهكذا الذي يركن إلى المادة يستبد به الغرور إلى درجة تراه يتحدى من ينذره ، ويستعجل لنفسه العذاب .
[ 23 ] وكعادة الكفار بالغيب زعمت عاد أن هودا هو الذي ينزل عليهم العذاب ، وأن بيده أمره ، فنفى ذلك بصراحة : قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنما هو رسول يبلغهم أمر الله . وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وهذه مسؤولية أصحاب الرسالة الأساسية ، بيد أن ذلك لا يعني أنه مجرد ساعي بريد ، كلا . . بل له بدوره كلام ينصحهم به ألا يكذبوا بالرسالة : وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ذلك أن تحدي جبار السماوات والأرض ، واستعجال عذاب الإبادة والتدمير ، لا يكون إلا عن جهل مطبق .
[ 24 ] وهاهي إرهاصات العذاب تلوح في الأفق . أرأيت الأعاصير الترابية كيف تبدو من بعيد ؟ كأنها سحابة سوداء ، وبما أنهم قد منع عنهم الغيث لفترة حتى أجدبت أرضهم استبشروا خيرا بما رأوا ، وزعموا أنه غيث يستقبل أوديتهم العطشى .
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا ولعل تأخر المطر عنهم كان بهدف إنذارهم عمليا لعلهم يتضرعون إلى ربهم ، كما كانت بين يدي غرق فرعون وجنوده آيات تهدف إيقاظهم من سباتهم ، ولكنهم أصروا على كفرهم ، فجاءهم النداء : بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ من العذاب رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ .
[ 25 ] إنها عاصفة رملية مأمورة من عند الله بأن تدمر كل شيء مما عند قوم عاد في الوقت
من هدى القرآن — صفحة 184
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٨٤