تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
وهكذا كان يربِّي النبي أصحابه . فقد ورد في الحديث أنه صلى الله عليه وآله دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الصّفةَ وَهُم يَرقَعُونَ ثِيَابَهُم بِالأَدَم « 1 » مَا يَجِدُونَ لَها رِقَاعاً ، فَقَالَ : أَنْتُمُ اليَومَ خَيرٌ أَمْ يَومِ يَغْدُو أَحَدُكُم فِي حُلَّةٍ وَيَروُحُ فِي أُخْرَى ، وَيُغْدَى عَلَيهِ بَجفْنَةٍ وَيُرَاحُ عَلَيهِ بُأِخْرَى ، وَيَسْتُر بَيتَهُ كَمَا تُسْتَرُ الكَعْبَةُ ؟ قَالُوا : نَحْنُ يَومَئِذٍ خَيرٌ ، قَالَ : بَلْ أَنْتُمُ اليَومَ خَيرٌ ] « 2 » . [ 21 ] عذاب الدنيا أهون من جهنم ، ولكنه شاهد عليها ، ولقد استمتع الكفار بدنياهم ، وأذهبوا فيها طيباتهم ، فابتلوا بعذاب بئيس هنا قبل الآخرة . ألا يكفينا ذلك عبرة ؟ هؤلاء قوم عاد ملأ قلوبهم حب الدنيا حتى حجبهم عن فهم حقائق الآخرة ، فإذا بهم يعرضون عن النذر بالرغم من بلاغ إنذارهم . ويبدو أن السياق يضرب لنا من قصة عاد مثلا على جملة البصائر التي تقدمت في هذا الدرس ، التي منها : تشبث الإنسان بالتقاليد ، وتوغله في شهوات الدنيا . وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ دعنا نذكرهم لنتعظ بمصيرهم . وكان هود من القبيلة ذاتها فكان إنذاره بليغا . أوليس يتحدث بلسانهم وحسب مستواهم العقلي ؟ وبالإضافة إلى ذلك هو من أنفسهم يحب لهم الخير . إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ قالوا : الأحقاف هي الكثبان الرملية التي تتجمع هنا وهناك . وقالوا : إنها كانت وسط الجزيرة العربية بين نجد والأحساء وحضرموت وعمان . وقال بعضهم : كانت جنوب الجزيرة باتجاه اليمن أو في سواحل بحر العرب بين عمان وعدن ، وقيل أنهم كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال لها الشحر . ويبدو أن ذكر الأحقاف هنا للدلالة على أن الله أسبغ عليهم نعمة الماء والكلأ في موقع يندران فيه أي بين التلال الرملية المتحركة ، وكان عليهم أن يشكروا نعمة الله ، ويستجيبوا للنذر . أولا يرون طبيعة الأرض من حولهم ، وكيف تكاد الرمال المتحركة تبتلع حضارتهم الهشة ، ولكنهم اغتروا ، وتجبروا ، واستكبروا في الأرض بغير الحق ، وفسقوا عن أمر ربهم فجاءتهم عاصفة رملية دمرت حياتهم . وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ لعل المراد من هذه الكلمة : أن النذر توالت عليهم في فترات متعاقبة قبل بعثة هود ، فبعضهم كانوا قريبين من عصره مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ، بينما
هامش
( 1 ) الجلد المدبوغ . ( 2 ) نور الثقلين : ج 5 ص 17 .