الذي عند الله ، وبعد بيان أن إسراف الجاهليين لا يمنع رحمة الله عنهم بتذكيرهم يعالج السياق واحدة من أبرز عقبات الإيمان ، التي يهتم القرآن كثيرا بها ، وهي حالة اللامبالاة والاسترسال مع الواقع الفاسد ، التي تنعكس في صورة الاستهزاء بالرسالة والسخرية من الرسول ، ويبدو أن منشأ هذه الحالة الرضا بالواقع القائم ، فما دام الباطل يحقق أهدافي ومصالحي ، ويشبع طموحي ورغبتي ، لماذا الاستماع إذا إلى داعي الله ؟
ذلك لأن الباطل ضار زاهق ، وإنما الحق وحده باق نافع ، انظر مثلك السابقين ، واعتبر بعاقبتهم ، فإنك لا تملك حياتين تجرب في إحدهما السبل الكفيلة لسعادتك ، وتعمل في الأخرى بتلك التجارب ، إنما للإنسان فرصة واحدة ، وإذا مرت فلن تعود أبدا ، وقد جرت سنة السابقين على أن من يتبع الحق يسعد في الدنيا والآخرة ، وأن من يتبع الباطل تنتهي حياته بالبأساء والضراء ، ويحيط به في الآخرة عذاب أليم . . وإن هذا يعطينا حافزا قويا للبحث عن الحقيقة ، والنزوع عن حالة الاسترسال .
بينات من الآيات :
[ 1 ] حم من الحروف المقطعة التي سبق أن فسرناها .
[ 2 ] وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ قسما بالكتاب الذي يحتوي على الحقائق ويبينها .
[ 3 ] إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لعل الله قد جعل كتابه المنبعث من اللوح المحفوظ عربيا للأسباب التالية :
أولًا : إن لغة الضاد أفضل لغات البشر إفصاحا عن الحقائق والضمائر ، واسمها ( العربية ) مشتق من الإعراب أي الإفصاح ، ولذلك فهي اللغة الأم عند الله التي بها نزلت كتب الله أصلا إلا أنها ترجمت عند الأنبياء بقدرة الله إلى ألسنة أممهم ، وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام :
[ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كِتَاباً وَلَا وَحْياً إِلَّا بِالعَرَبِيَّةِ فَكَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ الأَنْبِيَاءِ عليهم السلامبِأَلْسِنَةِ قَوْمِهِمْ وَكَانَ يَقَعُ فِي مَسَامِعِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وآله بِالعَرَبِيَّةِ ]
« 1 » .
ثانياً : لقد قدر الله بحكمته البالغة أن يحمل العرب رسالته إلى الأمم فأنزل الكتاب بلسانهم .
ثالثاً : إن ربنا يكرر القول بأن الكتاب قد نزَّله عربيا ليدعو سائر الأمم - كما يبدو - لتعلم هذه اللغة ، حتى يستوعبوا لطائف كتاب ربهم ، والإشارات البلاغية التي تعجز الترجمات عن بيانها .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 18 ، ص 263 .