والطبيعة فرضا ، وبحكمته يجعله كتاب هداية وبصيرة ، ومصدر توجيه للإنسان إلى الحق وإلى ما فيه صلاحه .
وفيما يلي من الآيات يحدثنا القرآن الحكيم عن تجليات اسمي العزة والحكمة في الكون ، وعن الظواهر ذات الدلالة الواضحة على عزة الرب وحكمته ، ونحن لا بد أن نفقه تلكم التجليات وهذه الظواهر ، لأن فهمنا للخليقة من حولنا لا يكون فهما عميقا إلا إذا كان فهما مترابطا متفاعلا ، فلا بد أن نربط - مثلا - بين ارتفاع القمر ونزوله وبين المد والجزر في البحر ، كما نربط بين طلوع الشمس وبين التفاعلات الكيماوية التي تحدثها في أوراق الأشجار ، فالكائنات حقائق مترابطة يتصل أدنى شيء منها بأقصاها ، والكبير والصغير والقريب والبعيد في ذلك سواء ، كلهم متفاعلون مع بعضهم يجري ربنا عليهم حكما واحدا ونظاما مطرَّدا ، ولا نستطيع أن نفهم القوانين الثابتة التي تجري في الخلق إلا بفهم ذلك التفاعل ، فالقانون الذي تتحرك على أساسه أكبر مجرات الفضاء هو نفس القانون الذي تتحرك وفقه الكريات المتناهية في الصغر داخل الذرة المتواضعة ، ثم إن كل ذلك التواصل والتفاعل والخضوع للسنن الواحدة يهدينا إلى الحقيقة العظمى ألا وهي التوحيد . إن ربنا العزيز الحكيم هو الخالق لها جميعا ، وهو المدبر لها .
ويبدو أن منهج القرآن لإنماء هذا الوعي الشمولي للكائنات الذي يشكل مستوى رفيعا من تكامل عقل الإنسان يتمثل في أن القرآن يذكرنا باسم من أسماء الله الحسنى ، ثم يتدرج نازلا من ذلك الاسم إلى مختلف الظواهر التي يتجلى فيها ذلك الاسم الكريم ، في عالم الطبيعة ( الآفاق ) وعالم الإنسان ( الأنفس ) ، في حاضر الإنسان أو ماضيه أو مستقبله ، لكي تتماوج بنور الله أشعة فكره صاعدة من بعض ظواهر الخلق إلى أسماء الخالق ، ونازلة من أسماء الرب إلى سائر الظواهر ، ومن ماضي البشرية إلى حاضرها وإلى مستقبلها ، فتتسع آفاق معرفته ، وتغور في أعماق الغيب بصائر وعيه ، ويسمو في درجات اليقين عقله ، وتزكو بنور الإيمان نفسه ، ويهديه الله إلى نوره الأبهى ، قويا عزيزا كما إن ربه قوي عزيز ، ويصبح حكيما خبيرا كما أن ربه حكيم خبير ، كل ذلك بمعرفة أسماء الله الحسنى .
وربما تدرَّج المنهج القرآني بصورة عكسية ، فيبيِّن ظاهرة في آفاق العالم أو أغوار النفس أو أبعاد التاريخ ، ثم يذكر اسما من أسمائه الحسنى . ونهايات الآيات القرآنية مثل :
- وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ النساء : 26 ] .
- وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [ فاطر : 15 ] .
- إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ البقرة : 173 ] .
من هدى القرآن — صفحة 159
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٥٩